وردة تتفتح في ربيعها، طفلة تواجه الحياة بطاقة مكنونة بداخلها، بين صبح وعشية أصبحت جليسة كرسي متحرك يلتهم طفولتها ويبتلع عمرها.. كانت تشارك في مسابقات العدو وتحرز المراكز الأولى ولم تشتكِ قط من أي مرض، ثم يعصف بها القدر ويجلسها بين الحياة والموت ولم يعرف الأطباء علاجا لتلك الزهرة التي تذبل بمرور الأيام، إلى أن أصيبت بالشلل، ومن الكرسي المتحرك تعايشت مع الإعاقة.

كانت «وردة» تعيش حياة طبيعية وعمرها 12عاما، بين المدرسة واللعب، وفي ليلة من ليالي امتحانات الصف السادس الابتدائي اشتكت من ألم شديد في الظهر. «في البداية الدكتور قال دي بتدلع وعايزة تهرب من الامتحانات»، ولكن الحقيقة بدأت تتجلى بمرور الوقت، ارتفاع شديد في الحرارة وضغط الدم، فقد للحركة ثم للوعي.. حالة غريبة احتار فيها أطباء مستشفى مطروح.

أعراض متلاحقة وسريعة تصيب جسدها الهزيل الذي لم يعد يقوى على الحركة، سكون تام وفقدان للإحساس والذاكرة، مدة طويلة و«وردة» على تلك الحالة، إلى أن تم تشخيصها بالتهاب في النخاع أدى إلى شلل رباعي. فيروس لعين هاجم النخاع وعلى إثره دمر خلايا الجسم الحركية والعصبية، ولا يوجد علاج صريح لتلك الحالة التي لم تكن منتشرة في تلك الأثناء.


 

أربعة أشهر بمستشفى الطلبة بالإسكندرية تجابه الموت بجسدها الوهن، ولا تتحدث ولا تتحرك، فاقدة للذاكرة، وتعاني من هلاوس سمعية وبصرية، وهذيان تام، بالتدريج بدأت تستعيد الطفلة ذاكرتها، وحفزتها طبيبتها على الكلام والحركة وقدمت لها المساندة النفسية قبل الطبية، وبالفعل استعادت قدرتها على النطق واستطاعت تحريك يدها اليمنى فقط، وعلى كرسي متحرك خرجت من المستشفى تواجه العالم.

العلاج يتضمن مادة الكورتيزون والتي كانت سببا في زيادة وزنها بدرجة كبيرة جدا. «صحابي لما كانوا بيزروني محدش كان بيعرفني»، قالتها موضحة أن أهلها كانو يحجبون عنها المرآة حتى لا تنظر إلى شكلها الذي كان يُبكي الجميع من زيادة كبيرة في الوزن وتغير في الملامح. تقول: «أول مرة شفت نفسي في المراية اتخضيت وخفت وحسيت إن الحياة وقفت». أسى شديد شعرت به فلم تعد تقوى على الحياة.

عامان في المنزل بصحبة ذلك الكرسي الثقيل في انتظار العودة مرة أخرى لحياتها الطبيعية، فتذهب لأداء الامتحانات فقط، وكانت تسأل الطبيبة التي تعالجها «هو أنا هرجع أمشي امتى؟» ودائمًا كانت تحاول الطبيبة عدم اخبارها بالحقيقة، ولكن كان لا بد من إخبارها بأنه لا يمكنها المشي مرة أخرى، وهي حقيقة ثقيلة لم تتقبلها في البداية، خاصة بعدما رأت الشفقة والحزن في عيون الآخرين.

نقطة النور

«قلت لنفسي مش هفضل قاعدة كدة في البيت مستنية حد يجي يساعدني أنا لازم أغير حياتي»، هكذا بدأت «وردة» رحلتها نحو التعايش مع الإعاقة، وهي محنة حولتها لمنحة، فكان نقصان الوزن هو الخطوة الأولى التي اتجهت لها وبعد 6 أشهر استطاعت انقاص 50 كيلو جرام والعودة إلى شكلها الطبيعي، وذلك ما حفزها على الخروج من المنزل ومجابهة الحياة عبر الكرسي المتحرك.

ثم بدأت في جلسات العلاج الطبيعي ومواجهة كلام الناس ونظرات الشفقة والأسئلة المتكررة عن ما حدث لها. معسكر يتبع وزارة الشباب والرياضة في الأسكندرية حول ريادة الأعمال والتخطيط للمستقبل، ودت «وردة» حضوره، ولكن والدها رفض بشده في البداية خروجها من المنزل واشتراكها في أي أنشطة فهي فتاة في عمر 18 عاما وصاحبة إعاقة حركية.

ولكن بصبر ومرونة أقنعت والدها المحتفظ بالعادات والتقاليد، واشتركت في ذلك المعسكر الذي غيّر نظرتها للحياة ووضعها على بداية الطريق. وابل من الانتقادات واجه «وردة» ووالدها الذي يتركها تخرج وتشارك وهي في هذه الحالة، ولكنها أرادت أن تسكت تلك الألسنة بعمل ونتاج على أرض الواقع، وفي خلال عام كونت الجمعية التي كانت تحلم بها لمساعدة ذوي الإعاقة ودعمهم «من حقنا لرعاية ذوي الإعاقة»، ونتجحت في الحصول على مقر صغير للجمعية في محافظة مطروح.


 

لم يكن في المحافظة كيانات تتحدث بلسان أصحاب الإعاقات ولا تقدم لهم الدعم المادي والمعنوي. دراسة أجرتها وتعرفت على كل ما تحتاجه تلك الفئة المهمشة، وبدأت بالتوعية في الشوارع والمدارس والميادين تتحدث عن التعامل مع أصحاب الإعاقة، وتعليم لغة الإشارة، ومساعدة المكفوفين، ثم بالتعاون مع المحافظة استطاعت أن تهيئ الطرق لاستقبال الكراسي المتحركة.

قاعدة بيانات كبيرة كونتها عن أصحاب الإعاقات ونظمت فرق متخصصة تبحث في الحالات. أوضحت «وردة» أن تلك الشبكة التي كونها كانت تعمل في أكثر من جهة، وفيها حوالي 60 شابا وشابة يطوفون المحافظة يمهدوها لأصحاب الإعاقات ويقدمون الدعم المادي والمعنوي لمستحقيه، تحت أعين وزارة التضامن الاجتماعي

أول فريق للكاراتيه لذوي الإعاقة

الرياضة كان جزءا أصيلا من خطة «وردة» التي حصلت على بطولة الجمهورية في الكاراتيه، وكونت فريقا وذهبت للنوادي تخبرهم عن حاجتهم للتدريب والمشاركة في البطولات، وبالفعل تم تكوين الفريق والذي مثل اسم المحافظة لأول مرة وأحرز الميداليات والأوسمة وجعل لها مكانا في المحافل الرياضية والمسابقات.

لم تنتظم في التدريبات بفعل انشغالها في العمل العام، ولكنها شديدة الحرص على إشراك الشباب في الرياضة وتحقيق نجاحات. «الأطفال بعد ما كانوا محبوسين بين أربع حيطان بقوا ياخدوا ميداليات» قالتها بفخر شديد بذلك الانجاز الذي جنت ثماره من فرحه الصغار وتحديهم للإعاقة التي كادت تودي بحياتهم، تقول: «ربنا بياخد حاجة وبيعوض بألف حاجة».


 

في 2016 تم تكريم «وردة» كأفضل شخصية عامة في مرسى مطروح، وتم اختيارها عضوا في المجلس القومي للمرأة في مطروح، وشاركت مع وفد ذوي الإعاقة من مختلف المحافظات للمناقشة في مسودة قانون ذوي الإعاقة تحت قبة البرلمان. فيما اختيرت صاحبة الـ23 عاما كعضو لجنة المسألة الاجتماعية ببرنامج التكافل والكرامة بدعم من وزارة التضامن الاجتماعي.

تخرجت «وردة» من معهد التكنولوجيا العالي، وتود استكمال مسيرتها في دراسات عليا بكلية رياض الأطفال، لتكلل نشاطها ومجهودها في العمل بمجال ذوي الإعاقة بالدراسة، وتحلم بتدشين مركز ضخم للتخاطب ومدرسة داخلية بمطروح لأصحاب الإعاقات لتقدم لهم الدعم بصورة أكبر. استطاعت بنت مطروح التغلب على محنتها و«حوّلت نظرة الشفقة لفخر». وهكذا انتصرت «وردة» التي كان لها نصيب من اسمها، فأسعدت حياة الكثيرين.


 



0
1
0
0
0
0
0