منذ إصدارها عام 2010 نجحت رواية «تراب الماس» للروائي الشاب أحمد مراد في الوصول لقائمة الكتب الأعلى مبيعًا، مثل روايته الأخرى «الفيل الأزرق» التي أضافت  نجاحًا سينمائيًا آخر عندما بلغت إيرادات الفيلم المأخوذ عنها الثلاثين مليونًا.  

هل يفعلها أحمد مراد هذه المرة أيضًا ويحقق النجاح السينمائي الثاني مع «تراب الماس» أو يتفوق على نفسه بنجاح أكبر من سابقه؟. هنا نحاول الإجابة عن هذا التساؤل بعد مشاهدة العرض الأول في قاعات السينما.

البداية.. تاريخية مغرية

في الخمسينات من القرن الماضي بحي الجمالية العتيق، يجتمع صانع العطور «حنفي الزّهار» المسلم بصديقه الصائغ «لييتو» اليهودي للتدخين والاستماع إلى صوت أم كلثوم، والحديث عن أحوال الدولة بعد رحيل الحكم الملكي.

الأجواء مقلقة بعد تحديد إقامة الرئيس محمد نجيب والمستقبل مخيف بالنسبة لعائلة «لييتو» التي تخشى من الترحيل الجبري لليهود، هناك نغمة استياء واضحة مما فعله الرئيس عبد الناصر ويقولها الفيلم صريحة «ما زلنا نعاني حتى الآن تبعات ما حدث».

مشوار صعب

الطفل «حسين الزهار» 

يموت «حنفي الزّهار» في نفس الليلة تاركًا ابنه الصغير «حسين» الذي لم يجد سوى «لييتو» الصائغ ليعتني به، وفعلاً يعلمه أصول مهنته وتلميع المجوهرات بتراب الماس.

يكتشف الصغير بالصدفة أن هذا تراب ليس إلا سمًا قاتلاً بجدارة إذا ابتلعه الإنسان مع الشاي أو الماء أو أي مشروب آخر، وهنا يقرر أن يستخدمه لعقاب المخطئين حسب منطق والده «كل واحد بيغلط لازم يتحاسب حتى لو اتأسف».

يكبر «حسين» ويفشل في الالتحاق بالكلية الحربية لعدم وجود واسطة، ويسوقه القدر إلى حرب 67 التي ذاق فيها الهزيمة وعاد من سيناء للقاهرة مشيًا، ليعمل بعدها أستاذًا للتاريخ.

القتل من أجل التطهير

«حسين الزهار» على الكرسي المتحرك

في واقعنا الحالي سنة 2018 نقابل حسين الزّهار القعيد الذي أصيب بالشلل بعدما فقد أمواله مع «الريان»، صار مجرد مشلول عجوز على كرسي متحرك، لكنه أقوى شخصية في الفيلم بجدارة، فهذا الرجل قرر تنفيذ العدالة بطريقته.

سيستخدم تراب الماس للتخلص من كل المجرمين والخاطئين، ترزية القوانين في البرلمان، وتجار المخدرات والخونة، هذه الشخصية كان لها التأثير الكافي لتحتل وحدها إحدى ملصقات الفيلم.

المشكلة تبدأ حين يكتشف أحد هؤلاء المجرمين حقيقة هذا القاتل الشريف، فيرسل إليه من يقتله ويترك هدية أخرى لابنه الشاب الذي يعتبر البطل الرئيسي للقصة.

الجريمة

محمد مموح في دور البلطجي القاتل

الابن «طه حسين الزهار / آسر ياسين» يعمل صيدليًا ويقاسي صعوبة الحصول على حقه في ظل الأوضاع القانونية، يتعرض له أحد البلطجية بالأذى فينصحه الضابط قائلاً «بلاش محضر عشان البلطجي ده مسنود».

يصر «طه» على السبيل القانوني بلا فائدة، وفي لحظة يجد والده مقتولاً على يد البلطجي نفسه الذي يضربه بشدة على رأسه ويتركه غارقًا في دمه بلا أمل في النجاة.

هنا تظهر «سارة / منة شلبي» التي تسكن في نفس العمارة وتنقذ جارها، كان «طه» يضمر لها إعجابًا فشل في توصيله بالمعاكسات، لكن «سارة» صارت تشفق عليه وتحاول التقرب منه بعد الجريمة.

لا يعبأ «طه» الآن بهذه المشاعر، فقد صار همه الأوحد أن يثأر لوالده المقتول، فيزور قسم الشرطة ليتعرف بضابط المباحث «وليد سلطان / ماجد الكدواني» المسؤول عن القضية، بلا أي فائدة أو طرف خيط.

قتل اضطراري

آسر ياسين في دور «طه الزهار»

تبدأ عقدة الفيلم الحقيقية مع اكتشاف «طه» لسر والده، تراب الماس القاتل الذي ينفذ به العدالة كما نفذها أبوه، لكن الأمور تبدأ في التشابك بشدة.

ماذا لو كانت الشرطة نفسها فاسدة؟، ما الذي جعل البلطجي يقتل اباه بالذات؟، ماذا عن الإعلام الفاسد ودوره في هذه المهزلة؟، وماذا عن فلسفة القتل من أجل التطهير أصلاً؟

هل يجذب الفيلم الجمهور؟

فيلم «تراب الماس» هو التعاون الثالث بين المؤلف أحمد مراد والمخرج مروان حامد بعد «الفيل الأزرق» و«الأصليين»، وكما صرّح المؤلف أكثر من مرة أن هدفه هو صناعة أفلام تستحق الاحترام بغض النظر عن الإيرادات.

هذه التركيبة تتحقق في «تراب الماس» بقدر كبير، فلدينا جريمة قتل تجذب المشاهد حول دوافعها وأسبابها، ولدينا فكرة فلسفية تستدعي التفكير، ولدينا أيضًا مقارنة تاريخية بين عصرين.

التمثيل والإخراج

أحمد كمال بديلاً عن محمود حميدة

بالنسبة لطاقم التمثيل فأغلبهم حصل على قدر كبير من التقدير الجمهوري والنقدي، كما يعود الفيلم بأبطال كبار مثل «عزت العلايلي» في دور شبه شرفي.

دور حسين الزّهار القاتل الشريف ذهب للممثل أحمد كمال بعدما اعتذر محمود حميدة، وقد اشتهر «كمال» في الوسط الفني بإعداد ورش وجلسات لتعليم التمثيل تخرج منها الكثير من مشاهير السينما والتليفزيون.

لم يقصر أحمد كمال في تجسيد مشاعر هذه الشخصة المركبة، وخاصة في نبرات صوته وتلاوة مذكراته، يليه آسر ياسين الذي قالت نظراته الكثير عن لحظات يأسه أمام المشكلات والصعاب.

المخرج مروان حامد لم يعتمد في الفيلم على المونتاج بشكل كبير كما فعل في «الأصليين» ولم يجرب زوايا الكاميرا المختلفة العالية إلا في مشهد المقابر، لكن الإخراج لم يقل عن مستوى الفيل الأزرق في المجمل.

الكتابة

Image may contain: 6 people, people smiling, people standing

أعاد أحمد مراد كتابة سيناريو «تراب الماس» 16 مرة، ليحصل على الشكل المناسب لروايته الأصلية، ورغم أن الرواية لم تذهب لسيناريست آخر إلا أن «مراد» اختصر الكثير من الأحداث والشخصيات.

بالنسبة لقراء الرواية، سيكون أمامهم خطوط أحداث أخرى وشخصيات جديدة، مع الحفاظ على الروح الأصلية، أما الجمهور غير القارئ، فسيعيش التجربة بشكل أفضل وأكثر حيادية.

في يومه الأول، حقق تراب الماس مليونه الأول.. فهل يتمكن من مواصلة النجاح نفسه؟، العناصر موجودة نفسها كتابة وتمثيلاً وإخراجًا ولكن الحكم الوحيد للجمهور.



3
1
0
0
0
0
0