عندما فتح المسلمون مصر سنة 641 بُنيت الفسطاط كأول مدينة إسلامية في مصر وإفريقيا في الفضاء المجاور لمدينة بابليون القديمة، وشكلت المدينة الجديدة النواة لمدن أخرى أقيمت بجوارها على مر العصور الإسلامية حتى تشكلت ما يعرف بـ«القاهرة». فكيف اختير موقع الفسطاط لإقامة هذه المدينة؟ 

مدينتان وعاصمتان

لم يكن اختيار عمرو بن العاص لمكان عاصمة الفتح اعتباطاً، بل جاء اختياراً طبيعياً. فعندما وصل العرب المسلمون إلى مصر وجدوا بها مدينتين مهمتين. الأولى هي الإسكندرية على شاطئ البحر المتوسط وتعد العاصمة الأولى لقربها من الإمبراطورية الشرقية صاحبة السيادة وقتذاك.

أما بابليون فكانت العاصمة الثانية وتقع عند رأس الدلتا بحيث تشرف على الوجهين البحري والقبلي، وعلى شاطئ النيل مما يسهل اتصالها بكل أطراف القطر المصري، بالإضافة إلى توسطها بين النيل غرباً – وهو مورد ماء لا ينفد- وبين الجبل المقطم شرقاً، وهو حد طبيعي لحمايتها.

وبعد أن تّم للفاتح العربي المسلم الاستيلاء على حصن بابليون ترك فيه حامية وتوجه إلى الإسكندرية – عاصمة البلاد – وتم له فتحها بعد أن حاصرها ستة أشهر، وكان على عمرو بن العاص بعد ذلك أن يتخذ لنفسه عاصمة يستقر بها مع جنوده الفاتحين.

في أول الأمر لم يُرد الفاتح الكبير أن يكلف نفسه عناء البناء، فوقع اختياره على مدينة الإسكندرية لما وجد بيوتها وبناءها مفروغاً منه، وقال «مساكن قد كُفيناها»، غير أن توجيه الخليفة عمر بن الخطاب إلى قادته الفاتحين جميعاً «بأن لا يجعلوا بينه وبين المسلمين ماء» جعل عمرو بن العاص يتحول من الإسكندرية إلى موضع الفسطاط.

شروط لازمة

وهكذا فإن توجيهات الفتح العربي الإسلامي وحصانة موقع بابليون وقصر الشمع بين جبل المقطم شرقاً والنيل غرباً، جعلت عمرو بن العاص يتخذ من الفراغ المجاور للحصن مركزاً للفاتحين وقاعدة للقيادة والإدارة.

فهذا الموضع الذي أصبحت القاهرة امتداداً له بعد نحو ثلاثة قرون، توافرت له الشروط اللازمة لإقامة المدن وضمان استمرارها وجاء اختياراً موفقاً من كل الوجوه، ففضلاً عن وقوعه عند رأس الدلتا مشرفاً على الوجهين البحري والقبلي مما يجعل منه مركزاً إدارياً قادراً على السيطرة على البلاد، فإن وقوعه بالقرب من الأراضي الزراعية سهّل وصول الأقوات والغذاء الضروري إليه، علاوة على أن وقوع الفسطاط على الضفة الشرقية للنيل جعل عاصمة الفتح أسهل اتصالاً بمركز الخلافة في المدينة المنورة.

ولا يمكن تجاهل أن وقوع المدينة الجديدة في موقع حصين يُسّهل الدفاع عنها وحمايتها، فهي في مكان مرتفع لا يغمره النيل في زمن الفيضان، ويحدها شرقاً سلاسل تلال تقترب من النهر في الجنوب وتنفرج بعيداً عنه كلما اتجهنا شمالاً، وهي تلال المقطم الذي ينتهي في الشمال بالجبل الأحمر قرب العباسية حالياً، أما من الغرب فيحدها النيل، وهو المورد الذي يضمن تزويد المدينة بالماء من ناحية، ويجعل الوصول إليها غير ميسور إلا بعد عبور جسر أو قنطرة من ناحية أخرى.

وبذلك كانت المدينة محمية من ثلاث جهات. بالتل شرقاً، والنيل غرباً، والتقاء التل مع النهر جنوباً، ومفتوحة فقط من الشمال، الأمر الذي وفّر لها مكاناً قابلاً للاتساع وهو الذي قامت فيه بعد ذلك مدن «العسكر» و«القطائع» و«القاهرة» وضواحيها الحالية، وكذلك فإن التلال الشرقية وفّرت للمدينة مادة بناء ثمينة هي الحجر، مثلما وفّر لها النهر الطوب.

حصن بابليون

فسطاط عمرو

بدأ القائد عمرو بن العاص في تخطيط مدينته بأن وضع أساس جامعه المعروف بـ«الجامع العتيق- مسجد عمرو ابن العاص»، واختلطت القبائل العربية التي تألف منها جيشه حول جامعه وداره.

وكانت جملة سُكان هذا المعسكر 15500 فرداً هم عدد الجنود المشاركين في الفتح، وعلى ذلك تأسست مدينة الفسطاط أول عواصم مصر الإسلامية ونسبت إليه بحيث أصبح يقال «فُسطاط عمرو».

ورغم تعدد الروايات المفسرة لسبب اختيار الاسم إلا أن أقربها للمنطق هو أن كلمة «فسطاط» موجود في اللغة العربية وتعني إلى جانب معنى الخيمة «مجتمع أهل المدينة»، وعليه فقد أُطلق على البصرة الفسطاط تشبهاً بفسطاط مصر، ومن ثم يكون معنى الفسطاط هو المكان الذي يجتمع فيه المسلمون حول جامعهم وحول منزل قائدهم.



المصدر

كتاب «القاهرة.خططها وتطورها العمراني». الدكتور أيمن فؤاد سيد.

0
0
0
0
0
0
0