تعتبر الخانقاوات من العمائر الدينة المهمة التي كثُر انتشارها في العصر المملوكي بمصر، وجُعلت لإيواء الصوفية المنقطعين للعبادة. فما هي حكاية هذه العمائر؟ وما هي الظروف التي دفعت لإنشائها؟ وكيف كانت تُدار؟ إجابات هذه الأسئلة في هذا التقرير من «شبابيك».

ظروف الإنشاء

الخانقاه كلمة فارسية معناها بيت العبادة، واندثر هذا الاسم بمرور الزمن وأطلق عليها «التكية». وبحسب الدكتورة سعاد ماهر في كتاب «مساجد مصر وأولياؤها الصالحون» جاء إنشاء الخانقاوات كنتيجة طبيعية لاكتمال مقومات التصوف في القرنين الثالث والرابع الهجري، إذ لم يعد محدوداً بالزهد والتقوى فحسب بل أصبح له كيانا عقليا وروحيا.

ولهذا السبب كثر عدد الصوفية واشتهر أمرهم بين الفقهاء الذين اتهموهم بالكفر وفساد العقيدة، بل اعتبروهم خطراً على المجتمع، مما حدا بالصوفية للرد عليهم معتمدين على أصول العلم وفنون الجدل، كما اضطروا إلى استعمال الرمز والإيماء حتى لا يفهمهم إلا أتباعهم والراسخون في العلم.

وكانت النتيجة الطبيعية لهذا الهجوم والاضطهاد للصوفية أن كوّنوا لأنفسهم جماعات أشبه ما تكون بالأحزاب، وكان لكل جماعة أو فرقة مبادئها وأصولها وشيخها وأتباعها، وعلى كل صوفي أن يأتمر بأوامر شيخه ومرشده.

وهكذا تكونت الصوفية الجماعية بعد أن كانت صوفية فردية، ما أدى إلى كثرة عدد الصوفية، وأصبحوا يكوّنون قطاعاً هاماً في المجتمع الإسلامي له تقاليده ونظمه وخصائصه. أما النتيجة الحتمية لمثل هذه الجماعات والفرق المنظمة أن اتخذت لها أماكن خاصة بها هي التي عُرفت باسم الخوانق أو الخانقاوات.

الخانقاه الأولى في مصر

وكانت الخانقاوات الأولى التي ظهرت بإيران في القرن الرابع الهجري بسيطة الحال لا تنظمها قواعد ولا تسير وفق منهج معين أو ترتيب خاص، حتى ظهر أبو سعيد بن أبي الخير الذي وضع الأسس الأولى لتنظيم الخانقاوات حتى عرف باسم «أبو الخانقاوات». وتعتبر خانقاه سعيد السعداء أول خانقاه أقيمت في مصر (569هـ/1173م).

وكان للغزو المغولي في القرن السابع أكثر الأثر في هجرة الكثير من الصوفية من إيران والعراق إلى غرب العالم الإسلامي، ما ساهم في انتشار الخانقاوات، إذ ما تزال مصر تحتفظ بثمانية منها أهمها الخانقاه البندقدارية، والجاولية، والبيبرسية، والشرابيشية، والخانقاه الجيبغا المظفري، وخانقاه سرياقوس، وخانقاه أرسلان.

نظام إداري

وتمتعت الخانقاوات في مصر بنظام داخلي وترتيب خاص. شرحت الدكتورة عبير عنايت سعيد في دراستها «خانقاهات مصر حتى نهاية عصر المماليك البحرية 648 - 784 هـ/ 1250-1382م» أن هذا النظام ارتبط بوصية المؤسس الذي حدد في نص الوقفية عدد المقيمين فيها من الصوفية، بغض النظر عن أعمارهم أو جنسياتهم، مع تفضيل العُزاب الذين شرط عليهم حضور وظيفة الذكر اليومية والإقامة الدائمة وعدم التغيب والالتزام بأوامر شيخ الخانقاه، والذي كان يُنتخب لدينه وعلمه وكفاءته في طريق التصوف، ويُعين بتقليد وأمر سلطاني صادر من ديوان الإنشاء عند افتتاح المبنى إذ كان يقام احتفالا للمناسبة حسب أهمية الخانقاه ومتولي مشيختها.

وتضمنت الوصية كادر عامل بالخانقاه اعتلى هرمه شيخ الخانقاه، فالناظر، فالمؤذن، فالطبيب، والصيدلي، ومشرف الطبخ، والفران، ومشرف الحمام، وخادم الشيخ، والحارس، والبواب، والوقاد لإضاءة قناديل المكان، وغيرهم من كادر الخدمة وهم من الصوفية أنفسهم الذين تولوا العمل بداخلها ليضمنوا حالة الصفاء الذهني والعزلة من العالم الخارجي، فكانت وحدة مستقلة بذاتها ومحققة للاكتفاء الذاتي من خلال مرافقها.

تدريس المذاهب

غير أن القرن الثامن الهجري شهد تطوراً طرأ على خوانق مصر المملوكية. وبحسب سعاد ماهر، أضيفت إليها وظيفة التدريس بجانب وظيفتها الأصلية، فقد كان يدرس بالخانقاه الجاولية فقه الشافعي، وفقه الحنفي بالخانقاه الجمالية والمهمندارية، كما جمعت الخانقاه الاقبغاوية بين فقه الشافعي والحنفي، أما الخانقاه الشيخونية فقد كان يدرس بها الفقه على المذاهب الأربعة إضافة إلى التفسير والقراءات.

وبرغم هذا التطور إلا أن بعض الخوانق قد احتفظت بتقاليدها القديمة كالخروج لتأدية الصلاة في المساجد الجامعة، أما صوفية خانقاه بيبرس جاشنكير كانوا يؤدون صلاة الجمعة في جامع الحاكم بأمر الله لقربه منهم، لذلك أودع بيبرس بالجامع الحاكمي مصحفاً شريفاً مكتوباً بماء الذهب من سبعة أجزاء ليقرأ فيه الصوفية قبل صلاة الجمعة.



0
0
0
0
0
0
0