اختلف المصريون في ضبط حالتهم المزاجية من عصر لآخر، لذا تباينت المشروبات وأنواع «الكيف» التي اعتمدوا عليها. في هذا السياق رصد المؤرخ الإنجليزي إدوارد وليم لاين أثناء زيارته لمصر أهم المشروبات والمكيفات التي أقبل عليها المصريون في عهد محمد علي باشا ودونها في كتابه «عادات المصريين المحدّثين وتقاليدهم/ مصر ما بين 1833- 1835). في هذا التقرير من «شبابيك» ستتعرف على «كيف» المصريين قبل 185 عاما.

التبغ

وبحسب «لاين» دفع تحريم الخمر وغيره من المشروبات المسكرة الأخرى، السواد الأعظم من المسلمين إلى وسائل بسيطة أخرى تدخل النشوة إلى قلوبهم وتسكن عقولهم، أبرزها التبغ الذي أحدث تغييرات هامة في تركيبة شخصية متعاطيه، إذ جعلهم أكثر تراخياً وخمولاً وباتوا يمضون الساعات الطوال يدخنون البيبة (أداة تدخين)، إلا أن حسنته الأساسية أنه طغى على شرب الخمر.

وتعاطى المصريون الأنواع الخفيفة وهم يبررون ذلك بأن التبغ يترك أثراً طيباً في نفوسهم، ويهدئ الأعصاب ويشحذ الذهن ويوقده بدلاً من تخديره، وتؤمن للفلاح وسيلة انتعاش رخيصة لا تذهب بالعقل مثل الخمر بل تمنعه من الانغماس في شهواته ورغباته الأقل براءة.

 

القهوة

أما القهوة فرفيقة البيبة المخلصة، وهي من الكماليات الموازية لها وكانت تهدف إلى التقليل من إدمان الخمر، ويعزز هذا الرأي أن لفظة «قهوة» بحد ذاتها هي لفظة قديمة للخمر.

وعرفت مصر القهوة قبل نهاية القرن الـ15 ومطلع القرن الـ16، وشربها فقراء اليمن، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، في جامع الأزهر الذين وجدوا فيه شراباً مُنعشاً لذيذاً يتناولونه بكل حرية وهم يؤدون الصلاة ويتمرنون على أداء المدائح.

وعرفت مصر القهوة قبل نهاية القرن الـ15 ومطلع القرن الـ16، وشربها فقراء اليمن، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، في جامع الأزهر الذين وجدوا فيه شراباً مُنعشاً لذيذاً يتناولونه بكل حرية وهم يؤدون الصلاة ويتمرنون على أداء المدائح.

غير أن ذلك الأمر سبقه مناقشات طويلة دارت في شبه الجزيرة العربية، ومصر، والقسطنطينية بين رجال الفكر والدين، إذ أكد العديد من الفقهاء أن للقهوة جوانب ضارة مسكرة وهي بالتالي شراب محرّم على المسلمين، بينما أكد بعضهم الآخر أن القهوة تطرد النُعاس وتلك ميزة هامة من جملة ميزاتها، كما أنها منشط فعال للأتقياء في تضرعاتهم الليلية. وفي كل الأحوال خضعت القهوة لمزاجية الطبقة الحاكمة التي كانت تحرم تعاطيها غالباً وتعود لتسمح برواجها متى شاءت.

وعادة ما يكون تناولها في المقاهي التي تضم القاهرة ما يربو على ألف منها، ويطلق عليها العامة لفظة «القهوة»، وهي عبارة عن حجرة صغيرة تكون واجهتها المطلة على الشارع من الخشب المفتوح في شكل قناطر، وتمتد على طول الواجهة ما عدا مصطبة من الحجر أو الآجر يبلغ ارتفاعها نحو قدمين أو ثلاث وكذلك عرضها، وتُغطي أرضها بالحصر إضافة إلى مقاعد مشابهة في داخلها موزعة عند جانبين أو ثلاثة.

وتشهد المقاهي اكتظاظاً خلال فترات بعد الظهر وفي المساء، وروّادها الأساسيون هم من أبناء الطبقات الدنيا، والتجار، وهم يفضلون الجلوس على المصطبة الخارجية.

ويحمل روّاد المقاهي تبغهم وبيباتهم معهم ويتولى «القهوجي» تقديم القهوة لهم بسعر 5 فضات للفنجان الواحد، و10 فضات لـ«البكرج» الذي يتسع لنحو 4 فناجين. ويحتفظ القهوجي بنرجليتين أو ثلاث نارجيلات أو «شيشات» و«غُزات» وتستعمل «الغُزة» لتدخين التمباك (أي التبغ الفارسي) والحشيش الذي يباع في بعض المقاهي.

الحشيش

توطدت عادة تدخين الحشيش المضرة في أرض مصر قبل منتصف القرن الـ13 الميلادي، وأقبل عليها خاصة أبناء الطبقات الدنيا، وخضع لسحرها العديد من جهابذة الأدب والدين، وأفواج كبيرة من الفقراء، وزعموا أنه غير محرم على المسلم تناوله.

ولا يتوفر الحشيش في المقاهي وحدها إذ يمكن الحصول عليه من دكاكين صغيرة مخصصة لبيع التحضيرات المخدرة التي يطلق عليها اسم «المحَششات» (مفردها محششة). ومن المسلي أحياناً مراقبة سلوكيات الأشخاص المتردّدين على هذه الدكاكين وسماع أحاديثهم.

ويُحضر الحشيش (القنب) بوسائل مختلفة، وتتعدد أسماؤه منها «البسط»، و«الشعيرة»، التي تُطلق على تحضيراته المتعددة.

وأثناء التعاطي يسترسل مدخن الحشيش عادة في مرح صاخب ويستنشق الأنفاس الأخيرة من الحشيش الأكثر وفرة وغزارة، وتمتلئ رئتاه بدخانه بعد سحبه النفس الأخير من فمه وأنفه، فيطلق نوبة سعال ويبصق دماً غالب الأحيان.

ولا يتوفر الحشيش في المقاهي وحدها إذ يمكن الحصول عليه من دكاكين صغيرة مخصصة لبيع التحضيرات المخدرة التي يطلق عليها اسم «المحَششات» (مفردها محششة). ومن المسلي أحياناً مراقبة سلوكيات الأشخاص المتردّدين على هذه الدكاكين وسماع أحاديثهم.

ويطلق على مدخن الحشيش لقب «الحشاش» الذي يحمل الكثير من القذف والطعن. وهذه التسمية أطلقت أولاً على الإسماعيليين أتباع الحسن بن الصباح وخلفائه، والتسمية مأخوذة من الكلمة الفرنسية Assassin وهي بمعنى «فاتك»، والتي أطلقها عليهم الصليبيون لاشتهارهم بالاغتيال، وقد لجأ الحشاشون إلى العقاقير المخدرة والمنومة بهدف إفقاد أعدائهم الوعي.

الأفيون

ولا ينتشر في مصر استخدام الأفيون وغيره من المخدرات كما في سائر بلدان الشرق الأخرى، كما أن عدد المدمنين على هذه الآفة غير كبير بالطبع نسبة إلى مجموع السكان المصريين عامة.

ويُعرف متعاطي الأفيون بـ«الأفيوني»، وهي تسمية أقل قذفاً وسباً من «الحشاش»، لأن العديد من أبناء الطبقتين المتوسطة والغنية يتعاطونه. ويتعاطى المدمنون حديثاً الأفيون غير الناضج بنسبة لا تتجاوز الثلاث أو أربع حبات منه، ويزيد «الأفينوي» هذه النسبة تدريجياً.

المعجون

بيد أن المصريين أقبلوا على تحضيرات أخرى مختلفة مؤلفة من القنب والأفيون وعقاقير معطرة أخرى أكثر من الأفيون وحده، وعُرف تحضير من هذا النوع بـ«المعجون»، وأما الشخص الذي يعده أو يبيعه فهو «المعجونجي».

وأكثر أنواع المعجون شيوعاً في الأوساط المصرية هو «البرش»، وهناك نوع آخر يجعل الشخص الذي يتناوله يعبّر عن متعته بالغناء، وثاني يدفعه إلى الثرثرة، وثالث يحثه على الرقص، ورابع يؤثر على النظر بطريقة تسرّ المتعاطي، وخامس عبارة عن عقار مسكّن، وتباع كل أنواع هذه المعاجين في «المحششة».

البوظة

ورغم تحريم الخمر، فقد ظهرت «البوظة» وهو شراب كحولي مسكر، فأقبل عليها «مراكبية النيل» والعديد من أبناء الطبقات الدنيا في مصر.



المصدر

كتابه «عادات المصريين المحدّثين وتقاليدهم/ مصر ما بين 1833- 1835). إدوارد وليم لين.

0
0
0
0
0
0
0