يتميز جسد الأنثى البالغة عن الذكر بما يسمى «الدورة الشهرية» أو الطمث، وهي تغيرات طبيعية بهدف تجهيز جسد الفتاة للتزاوج والقدرة على التخصيب ومن ثم الحمل والولادة.

لكن هل توجد دورات أخرى لدى الأنثى؟ وماذا عن الذكر والتغيرات الجسدية عنده؟ هل تصيب الرجال الدورة الشهرية؟ إجابة هذه الأسئلة تتعرف عليها في هذا التقرير من «شبابيك».

أعراض متكررة

فيلهلم فليس (على اليمين) مع صديقه العالم الشهير سيجموند فرويد 

البداية كانت في مطلع القرن الـ20 مع الطبيب الألماني «فيلهلم فليس» الذي لاحظ أن الأعراض العضوية والنفسية عند مرضاه تتكرر بشكل عجيب كل 23 يومًا.

الأمر هنا يشبه سقوط أوراق الشجر المتكرر كل الخريف في دورة سنوية، ولهذا عكف الطبيب الألماني على دراسة هذه الأعراض وتوصل إلى وجود دورات داخل جسم الإنسان تتكرر منذ ولادته وحتى وفاته.

هذه الدورات يصاحبها ارتفاع وانخفاض على شكل منحنى، بمعنى أن حالة الإنسان تتحسن بحسب ارتفاع منحنى الدورة أو تسوء إذا انخفض هذا المنحنى، ومجموع هذه الدورات يُسمى «الإيقاع الحيوي Biorhythms».

هل هذا حقيقي؟

حوادث الطائرات لفتت الأنظار للإيقاع الحيوي

حاول العلماء في سويسرا واليابان أن يستكملوا الأبحاث على نظرية الإيقاع الحيوي رغم غرابتها، وبالفعل توصلوا إلى أن أكثر حوادث الطرق تحدث حين ينخفض الإيقاع الحيوي للسائقين.

لكن الاهتمام الحقيقي بالنظرية لم يحدث إلا في عام 1972، حين انفجرت طائرة تابعة لإحدى الشركات الأمريكية بكل ما عليها من رُكّاب، ليتذكر العلماء النظرية ويكتشفوا أن الطيار كان في أقل معدل للإيقاع الحيوي حين قاد الطائرة!

حالتك النفسية تتأثر وتتكرر؟

تزايد الاهتمام بنظرية «الإيقاع الحيوي» بعد واقعة الطائرة، وكشفت دراسات عديدة عن وجود ثلاثة دورات أساسية داخل جسم الإنسان (فكرية – عاطفية – جسدية) وكل دروة لها منحنى خاص بها بحسب يوم ميلاد الشخص.

هناك معاهد خاصة لرسم منحنيات الدورات الثلاث، لأنها تستلزم دقة كبيرة في الأرقام والحسابات، ولكن بعض البرامج الإلكترونية تستطيع رسم المنحنيات بطريقة تقريبية.

يمكنك رسم المنحنيات الثلاثة الخاصة بك عن طريق موقع biorhythm-calculator، كل المطلوب منك أن تعطي تاريخ ميلادك لتظهر لك ثلاثة منحنيات للدورات كالتالي:

نموذج لمنحنيات الإيقاع الحيوي الثلاثة بحسب الأيام
الدورة الفكرية Intellectual

تتكرر كل 23 يومًا وتعبر عن حالتك العقلية وقدرتك على التفكير، وينصح المؤمنون بها أن يتجنب الإنسان اتخاذ القرارات الهامة والمصيرية أثناء انخفاضها، وينصحون كذلك بتعلم الأمور الجديدة أثناء ارتفاعها.

الدورة العاطفية Emotional

تتكرر كل 28 يومًا وتعبر عن الاستقرار النفسي والحالة المزاجية، ونصيحة العلماء المصدقين هنا أن يختار الإنسان إجازته حين تكون هذه الدورة في قمتها، كي يتمكن من الاستمتاع بها بأفضل شكل ممكن.

الدورة الجسدية Physical

تتكرر كل 23 يومًا وتؤثر بشكل مباشر على النشاط الجسدي والرياضي والقدرة على مقاومة الأمراض، وبالتالي تجعل الأداء الجسدي في البناء وغيره في أفضل حالاته حين تكون مرتفعة.

مدى التأثير

بحسب النظرية ورسومات المنحنيات الثلاثة، ينتج الفنان أعظم أعماله الإبداعية حين تكون دورته الفكرية والعاطفية في قمتها، وبالمثل يرتكب القتلة واللصوص جرائمهم حين تكون دوراتهم في أقل حالاتها.

وعلى سبيل تطبيق النظرية على أرض الواقع، استعانت شركات قيادة يابانية بمنحنيات الإيقاع الحيوي ومنعت السائقين من القيادة في أوقات انخفاض الدورة، وخرجت النتائج لتعلن أن الحوادث انخفضت بنسبة 40%.

أما على مستوى الرياضة، فهناك اهتمام قوي بالإيقاع الحيوي في اختيار أوقات لعب المباريات وتكثر الدراسات الأكاديمية في هذا الفرع، فحسب النظرية تكون فرصة الفريق أو اللاعب كبيرة للغاية إذا كانت دوراته في حالة مرتفعة!

ويؤمن أستاذ جامعي عراقي بقوة هذه النظرية لدرجة تحليله أسباب خسارة منتخبه سنة 2016 إلى نقص الإيقاع الحيوي لدى فريقه، وشرح هذا بالتفصيل في فيديو على موقع يوتيوب.

الحقيقة؟

هل يتأثر جسدنا حقًا بالإيقاع الحيوي؟

رغم غرابة الفكرة وصعوبة تصديقها، ما زال هناك أتباع لهذه النظرية في العالم كله، وفي الوقت نفسه يعتقد المشككين أنها ليست سوى مصادفة أشبه بالتنجيم.

من أهم المؤسسات المؤمنة بالنظرية تأتي منظمة الطيران الدولي المدني الكندية، فقد ذكرت انخفاض الإيقاع الحيوي صراحة كأحد أسباب الإرهاق للطيارين في كتابها للقواعد والتوصيات الدولية، في تحذير صريح لتأثير الدورات الثلاثة في حوادث الطيران.

المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية NCBI بالولايات المتحدة الأمريكية، أجرى عدة دراسات عن الإيقاع الحيوي ويرى أنها مجرد خرافة لا تكفي لتفسير حياتنا المعقدة، بعدما اتضح أن الأرقام غير دقيقة فيما يتعلق بمواعيد الدورات المختلفة.

وهنا يظهر سؤال: ماذا لو اختلفت حالتك مع شكل دوراتك؟ الكاتب الراحل أحمد خالد توفيق سخر ذات مرة من هذا الموقف وكتب: «يصر الكمبيوتر على أن منحناي النفسي في الحضيض.. لا أعرف كيف لكني قررت أن أكتئب وأحزن فأنا لن أفهم أفضل من الكمبيوتر!»



المصدر

*قراءات متقدمة في التعلم والتفكير.. د.مازن هادي ود.مازن الطائي *الملحق 6 لتشغيل الطائرات.. منظمة الطيران الدولي المدني *خلف أسوار العلم.. عبد الوهاب السيد، سند راشد دخيل

0
0
0
1
0
0
0