العلاقة بين نجيب محفوظ والجوائز الأدبية لم تتوقف على «نوبل»، فقبلها كان هناك تاريخ من المسابقات التي خاضها وخرج منها بجوائز عديدة.. «شبابيك» يستعرض حكايات الأديب الراحل مع الجوائز كما جاءت على لسانه في كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» للناقد الفني رجاء النقاش.

قوت القلوب

يقول الأديب الراحل: أول جائزة أدبية حصلت عليها في حياتي هي جائزة «قوت القلوب الدمرداشية» للرواية، فهذه السيدة كانت محبة للأدب، ونظمت مسابقة في فن الرواية عام 1940. كانت جائزتها أربعين جنيهاً مصرياً، وتشكلت لجنة تحكيم المسابقة من بعض أعضاء مجمع اللغة العربية، ومنهم طه حسين وأحمد أمين وفريد أبو حديد.

تقدم للمسابقة عدد كبير من الأدباء الشبان، وفزت أنا بالجائزة الأولى مناصفة مع علي أحمد باكثير عن راويته «سلامة»، بينما فزت عن روايتي «رادوبيس»، وحصلت على نصف الجائزة الأولى وهو مبلغ عشرين جنيهاً، وقد كان هذا المبلغ في ذلك الوقت – لو تعلمون – عظيماً، وقد يكون سكان العباسية كلهم علموا بالأمر.

لم يكن مبلغ الجنيهات العشرين هو المهم، بل كان الأهم منه أن الجائزة ساهمت في رفع روحي المعنوية إلى حد كبير. ففي تلك الفترة تعرضت للفشل وأنا أحاول نشر رواياتي في الصحف، بما فيها الصحف غير المعروفة، فكنت أكتب وأضع ما أكتبه في الدرج انتظاراً للفرج.

فاتحة خير

وبعد جائزة «قوت القلوب» تشجعت وتقدمت لمسابقة مجمع اللغة العربية بروايتي «كفاح طيبة»، وكنت من بين الخمسة الفائزين بجوائزهم، وهم عادل كامل وعلي أحمد باكثير ويوسف جوهر، وأنا، وخامس لا أذكره، وكانت هذه الجائزة سبباً في لقائي وتعارفي على هذه المجموعة من الأصدقاء.

كانت تلك الجوائز فاتحة خير، لأنه بناء عليها قرر عبد الحميد جودة السحار إنشاء «لجنة النشر للجامعيين»، حيث وجد أمامه مجموعة من الأدباء الشبان الموهوبين بشهادة أساتذة كبار هم أعضاء لجنة التحكيم، وأنه يمكن أن ينشر أعمالهم الفائزة ويضمن توزيعها، خاصة أن الجوائز الأدبية في ذلك الوقت كانت تتمتع بالاحترام والثقة في جديتها، وكلفني «السحار» بالاتصال بالفائزين والتفاوض معهم لنشر أعمالهم من خلال اللجنة ووافقوا، وكان ذلك عام 1943.

جنوح جنسي

حصلت على جائزة مجمع اللغة العربية ومقدارها مائة جنيه مصري، وقد نتج عن حصولي على هذا المبلغ تحسين في أحوالي المادية إلى حد كبير، وربما كان في وقته أكثر فائدة من «فلوس» جائزة نوبل فيما بعد، وهذا ما جعلني أتقدم إلى نفس المسابقة في العام التالي برواية أخرى هي «السراب»، ولكنني فوجئت بمنصور باشا فهمي يصدر قراراً بحجب الجائزة. وكانت وجهة نظره هي أن الروايات المقدمة بها جنوحاً جنسياً.

اقتسام الجائزة

وفي نفس الوقت نظمت وزارة المعارف مسابقة أدبية، فتقدمت إليها برواية «زقاق المدق» فقوبلت بالرفض، وكان نظام المسابقة يسمح للوزارة برفض العمل المقدم مبدئياً، ويسمح للمشارك في المسابقة بتقديم عمل آخر، فتقدمت برواية «القاهرة الجديدة» فلم يقبلوها أيضاً، وأخيراً وافقوا على اشتراكي برواية «خان الخليلي».

كان أقوى المنافسين لي في هذه المسابقة هو سعيد العريان لأن كل أعضاء لجنة التحكيم كانوا منحازين له، باستثناء إبراهيم عبدالقادر المازني، فقد كان الوحيد الذي يقف في صفي.

وأثناء مداولات اللجنة اقترح «المازني» تقسيم الجائزة مناصفة بيني وبين «العريان»، إلا أن «العريان» رفض الاقتراح، وارتفعت حدة المناقشات، وتصادف دخول عباس محمود العقاد، فتساءل عن سبب هذه الضجة، فأخبروه.

طلب العقاد «خان الخليلي» ليقرأها حتى يفصل في هذه الأزمة، وبالفعل قرأها وأعجب بها، وطلب من اللجنة منحها الجائزة الأولى، ولكن أعضاء اللجنة رفضوا رأيه، وانتهت الأزمة بتقسيم الجائزة بيني وبين «العريان».



المصدر

كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ». رجاء النقاش.

0
0
0
0
0
0
0