لم يتوقع ابن محافظة الإسكندرية إبراهيم أحمد عيسى الفوز بجائزة «كاتارا للرواية العربية»، إلا أن الأمر تحقق بحصوله على المركز الأول أمس الثلاثاء بما قيمته مليون جنيه مصري.

الروائي الشاب انطلق من شغفه بالتاريخ إلى عالم الكتابة والأدب، وأثمرت رحلته عن أربع روايات فازت آخرها «باري» بالجائزة العربية الأكبر متقدما على 561 متسابق.

يتذكر إبراهيم في حوار لشبابيك من قالوا له قديما: «سيبك من الروايات التاريخية، واكتب اللي يمشي مع الناس»، لكنه تمسك بالنوع الذي يحبه وتابع تصفحه للمراجع التاريخية السميكة بلهجاتها المعقدة وتعدد أحداثها الذي يصيب بالدوار، على خطى الراحلة رضوى عاشور التي أهداها إحدى أعماله.

كيف خطرت لك فكرة الرواية؟

جاءتني فكرة «باري» أثناء عملي على بحث تاريخي عن إمارات أوروبا المسلمة في الفترات المنسية من التاريخ الإسلامي، خاصة في القرن التاسع والعاشر الميلادي أثناء حكم الخلافة العباسية.

اسم الرواية «باري» يعود لمدينة في جنوب إيطاليا فتحها المسلمون سنة 847 ميلادية، وظلت إمارة إسلامية لما يقرب من ربع قرن حتى سقطت بيد الأعداء في أجواء درامية دامية وكأنها «أندلس» أخرى.

كم استغرقت كتابة الرواية من وقت؟

الواقع أن «باري» كانت في الأساس قصة قصيرة ضمن مجموعة قصصية لمجموعة من الكتاب، ولكني شعرتُ أنها تستحق مساحة أكبر كرواية قصيرة «نوفيلا» كي أخدمها بالشكل الوافي.

استكملت العمل حتى استغرقت الفكرة مني في النهاية سنتين لإتمامها، لأن الفترة التاريخية للرواية ثرية جدًا رغم قلة المعلومات عنها، وكنت سعيدًا بالشكل الذي خرجت به.

ما هي المراجع التاريخية التي اعتمدت عليها في الكتاب؟

الأبرز في مراجعي كان «فتوح البلدان» للبلاذري، وأيضًا «مروج الذهب» للمسعودي و «القوى البحرية في البحر المتوسط في القرن العاشر» لـ «أرشيبالد لويس».

كما كان للمراجع الإيطالية نصيبًا معي في كتاب المؤرخ الإيطالي «موسكا» الذي كتب عن إمارة «باري» وخصص جزءًا من حياته لتأريخ التواجد الإسلامي في جنوب إيطاليا وصقلية فترة الأغالبة في القرن التاسع الميلادي.

ما نسبة الحقيقة التاريخية في الرواية؟

قد تندهش إذا أخبرتك أن نسبة التاريخ الحقيقي لا يتعدى 2 % في الرواية، وتشمل هذه النسبة المعارك الحربية وبعض الأحداث التاريخية للمدينة، كما أن جميع الشخصيات من خيالي فيما عدى شخصية الحاكم «سودان» و«البابا» المسيحي في هذا الوقت.

الرواية في مجملها خيالية، لأن الفراغات كثيرة في المراجع ولذا كان يجب أن أملأها بالشكل المناسب وقد وفقت في هذا كما أشعر والحمد لله.

هل سبق لمدينة «باري» الظهور في أي عمل روائي آخر؟

الرواية مع درع الفوز

الحقيقة أن إمارة «باري» شبه منسية تمامًا ولم يسمع بها القراء إلا من خلال الرواية، ولعل هذا كان من أحد أسباب الترشيح للجائزة، فهذه الفترة التاريخية جديدة وغريبة على الناس.

هل كتبت الرواية وفي ذهنك أنها ستربح جائزة أدبية كبيرة؟

من المفارقات في إهداء الرواية أنني كتبته هكذا: «من وإلى التاريخ» بعدما أرهقتني الرواية لسنتين ودخلتُ غرفة العمليات مرتين أثناء كتابتها، لقد قلتُ لنفسي: سأكتب رواية لن يستطيع أحد كتابتها.

رغم هذا كله، لم أتوقع أن تحصل على جائزة لعلها الأكبر الآن بين الجوائز العربية الأدبية، لقد كنت أذكر نفسي فقط بضرورة إجادة وإتقان عملي كي يخرج فعلاً «من وإلى التاريخ» بعيدًا عن شبهة الغرور.

هل تعتبر فوز «باري» دليلاً على نضجها الفني أكثر من أعمالك السابقة؟

القراء والنقاد شهدوا للرواية أنها قمة النضج الفني، رغم أن هناك أعمالاً لي أخرى أحب إلى قلبي منها، ولكني أعترف أن «باري» أقواهم أدبيًا في نظري أيضًا.

ما وضع الرواية التاريخية في مصر من وجهة نظرك؟

رواية البشرات لإبراهيم أحمد عيسى من أمام مسجد «قبة الصخرة»

القليل من الأدباء يكتبون اللون التاريخي الآن في مصر، أتذكر منهم محمود أمين في روايته عن الحشاشين، وأيضًا أحمد سعد الدين في «قلادة مردوخ» رغم أنها أقرب للفانتازيا، وعمومًا كتابة التاريخ الأدبي شاقة للغاية تحتاج للصبر والمثابرة وطول البال.

هل تخطط للكتابة في التاريخ الإنساني عمومًا أم تنوي الاقتصار على المسلمين؟

بالطبع أفكر في تجربة أنحاء مختلفة من التاريخ الإنساني، لأن التاريخ في كل الأحوال شديد الثراء بالمواقف والأحداث التي تستحق أن نحكيها، وليس فقط تاريخ المسلمين.

 فقد حدث هذا بشكل في «باري» حين أبرزتُ وجهات نظر اللومبارديين والبيزنطيين، وقد أكتب قريبًا رواية عن الإمبراطورية الرومانية، خاصة في العصور الوسطى حين كانت تسمى «الإمبراطورية الرومانية المقدسة».

كلمتك بمناسبة الفوز؟

أعمال إبراهيم أحمد عيسى قبل «باري»

أقول ببساطة لكل إنسان: احلم وصمم.. فالأساس في أي فوز هو تحديد الهدف والإصرار نحوه، فقد عاندني الكثيرون وعارضوني بسبب كتابتي التاريخية لكنني مصمم على الاستمرار فيها، هذا مشروعي وهدفي الواضح.

أرجو أن أسمع أسماءً شبابية عديدة في قوائم المسابقات الأدبية المرموقة، خاصة أن هناك من يكتب أفضل مني بكثير، وبالطبع أطمح في دور ثقافي بارز لصناع النشر في مصر.

رسالتي لكل زميل في الوسط الأدبي أن يسعى لتقديم روايته في كل المسابقات الأدبية، ولا يترك مسابقة واحدة تفلت منه سواءً حكومية أو خاصة، فهذه هي المرة الثانية لي في التقدم لمسابقة كبيرة.

معلومات عن الفائز والجائزة

إبراهيم أحمد عيسى

تخرج ابن محافظة الإسكندرية إبراهيم أحمد عيسى من كلية النظم والمعلومات، وبدأ مشواره الأدبي برواية «طريق الحرير» في فرع الفانتازيا التاريخية عام 2014، ثم قدّم عمله الثاني «البُشرات: النبضة الأندلسية الأخيرة» عن الثورة المشتعلة بعد سقوط الأندلس.

العمل الثالث كان رواية «ابق حيًا» التي تناول فيها لأول مرة فترة الشدة المستنصرية في مصر حين عظم البلاء واشتدت المجاعة أيام الحكم الفاطمي حتى أكل الناس بعضهم، وآخر أعماله الآن رواية «باري» الحاصلة على جائزة كتارا في الرواية.

يكتب إبراهيم أحمد عيسى المقالات التاريخية في أكثر من منصة، وشارك في كتاب «التاريخ كما كان» مع عدة مؤلفين، ويستمر حاليًا في مجال الأدب التاريخي الذي يستهويه بشدة.

وجائزة كتارا للرواية العربية هي جائزة سنوية أطلقتها المؤسسة العامة للحي الثقافي القطري كتارا في بداية عام 2014، وتقوم المؤسسة بإدارتها وتوفير الدعم والمساندة والإشراف عليها بصورة كاملة من خلال لجنة لإدارة الجائزة تم تعيينها لهذا الغرض.

واستقبلت إدارة الجائزة 1283 مشاركة، منها 596 بفئة الروايات غير المنشورة و562 بفئة الروايات المنشورة و47 من الدراسات والبحوث غير المنشورة، إلى جانب 78 مشاركة بفئة روايات الفتيان غير المنشورة.



0
0
0
0
0
0
0