مثل أي عصر، تباينت مظاهر الزواج بين فئات المجتمع وطبقاته في العصر المملوكي، وانعكس ذلك بشكل رئيسي على جهاز العروس أو ما يُطلق عليه «الشوار».

بنات الأمراء

ففي عام 1332 قُدر للمؤرخ الشامي خليل بن أيبك الصفدي أن يكون موجوداً بالقاهرة ليشهد احتفالات زفاف «آنوك» ولي العهد وابن السلطان محمد بن قلاوون، وقد اصطحبت العروس التي كانت ابنة أحد الأمراء جهازها الذي تطلب حمله إلى القلعة جهود 800 من الحمالين، و100 من البغال.

غير أن الأصناف الأكثر نفاسة، كالملابس والمجوهرات دُست بعناية داخل مئات من الدكك، وهي صناديق خشبية متعددة الأغراض. وقد أبلغ أحد الكتاب بالوفد المرافق لوالد العروس المؤرخ الشامي، أن الذهب وحده يزن نحو 80 قنطاراً مصرياً ما يقدر بحوالي 800 ألف دينار.

شاهد الصفدي - مثله في ذلك مثل كثيرين ممن اصطفوا لمشاهدة هذا الموكب الكبير - جميع أنواع الوسائد والمساند والكراسي والأواني الفضية والنحاسية والصواني والأطباق والسجاد وأواني الفخار والأغطية والفُرُش.

غير أن الأصناف الأكثر نفاسة، كالملابس والمجوهرات دُست بعناية داخل مئات من الدكك، وهي صناديق خشبية متعددة الأغراض. وقد أبلغ أحد الكتاب بالوفد المرافق لوالد العروس المؤرخ الشامي، أن الذهب وحده يزن نحو 80 قنطاراً مصرياً ما يقدر بحوالي 800 ألف دينار.

أما الأمير، مثله في ذلك مثل أي زوج آخر، فقد طُلب منه التعهد بهدية الزواج (الصداق) عند العقد على عروسه، إذ ثمّ جزء من الصداق كان يُدفع عاجلاً قبل الدخول على العروس، في حين يؤجل جزء آخر منه إلى ما بعد الدخول. وفي هذا العقد أصدق آنوك عروسه 12 ألف دينار، دفع منها 10 آلاف قبل الدخول.

ومن خلال المقارنة بين قيمتي الصداق وجهاز العروس، فإن الفرق في القيمة بين صداق الزوج وشوار العروس كان فرقاً كبيراً.

بنات العامة

ولكن، إذا كان هذا حال أبناء السلاطين والأمراء، فماذا كان الأمر لباقي فئات المجتمع وطبقاته آنذاك؟.. يقول الدكتور يوسف رابوبورت أستاذ التاريخ في جامعة لندن في كتابه «الزواج والمال والطلاق في المجتمع الإسلامي في العصور الوسطى» والذي نقله إلى العربية أحمد العدوي: كان شوار العروس شيئاً بالغ الأهمية في الزواج عند جميع الطبقات في المناطق الحضارية. كان يتكون من ثلاث دكك، دكة فضي، ودكتي نحاس أبيض وأصفر.

وكتب المقريزي في بدايات القرن الخامس عشر الميلادي واصفاً ممارسات من سبقوه، وما شاع عندهم من أن جهاز العروس المثالي تكون من دكة واحدة من النحاس على الأقل، قيمتها لا تقل عن 200 دينار، ومعها مجموعة من الأواني المخصصة للشرب (طاسات) والمصنوعة من النحاس المطلي بالفضة، إضافة إلى مجموعة من الأطباق والمصابيح وصناديق الجوهر، وأحقاق الأُشنان (الصابون)، فضلاً عن المبخرة، والطشت والإبريق. أما جهاز بنات الأمراء والأثرياء من البيروقراطيين والتجار فكان يتألف من سبع دكك كلها مطعمة بالمواد النفيسة.

الجالية اليهودية

وعن المعلومات المتعلقة بجهاز العروس عند الجالية اليهودية في القاهرة في العصور الوسطى. فوفقاً لأحكام الشريعة اليهودية، وعلى النقيض من مثيلتها الإسلامية، فإن الزوج كان له حق الانتفاع بممتلكات عروسه، لذا جرى العرف بين اليهود على أن تشتمل عقود زواجهم على تقييم مفصل للأصول والأمتعة التي جاءت بها العروس وسلمتها إلى زوجها.

وتباينت قيمة جهاز العروس عند الأسر اليهودية، فالطبقة العليا خلال القرن الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، تكلفت في جهاز بناتها ما متوسطه عدة مئات من الدنانير، وفي المقابل دفع الزوج اليهودي عند الزواج صداقاً أقل بكثير من قيمة جهاز عروسه.

أما الطبقات الأدنى مرتبة في السُلم الاجتماعي، فبلغت قيمة جهاز العروس في زيجاتهم مبلغاً أقل من 100 دينار، أما العرائس اليهوديات الفقيرات فلم تتعد قيمة جهازهن في المتوسط أكثر من 10 دنانير، وبعضهن من دخل بيت الزوجية بلا جهاز على الإطلاق.

خلافات بعد الوفاة

وكلما كان الجهاز كبيراً، كانت إمكانية الخلاف كبيرة أيضاً، فبين كل من المسلمين واليهود على وجه التحديد وقعت نزاعات حول الجهاز بعد وفاة الزوجة العاقر. فوفقاً لأحكام المواريث بالشريعة الإسلامية يئول نصف ما تركت الزوجة العاقر إلى زوجها، وكان هذا يتعارض بطبيعة الحال مع رغبة والديها في استعادة جهاز ابنتهم المتوفاة كاملاً.

ومن ثم كان الآباء والأمهات يُشهدون الناس على أنهم ما منحوا الجهاز لابنتهم إلا على سبيل القرض بغرض المباهاة والمفاخرة أو لتتجمل بها، وكانت تلك حيلة شرعية انتشرت بين العامة الهدف منها الالتفاف لمنع الزوج من الاستيلاء على الجهاز أو بعضه.

أما الشريعة اليهودية ففيها الزوج هو الوريث الوحيد لزوجته العاقر- التي لا تنجب-، ولهذا السبب تكفلت الاشتراطات الخاصة في عقود الزواج بين اليهود الربانيين بتأمين عودة نصف جهاز الزوجة العاقر المتوفاة لعائلتها، بينما سمحت طائفة اليهود القرائين لعائلة الزوجة بوراثة الجهاز بأكمله.



المصدر

كتاب «الزواج والمال والطلاق في المجتمع الإسلامي في العصور الوسطى». يوسف رابوبورت. ترجمة أحمد العدوي.

0
0
0
0
0
0
0