في الفيلم العربي «على جثتي» يجسد أحمد حلمي شخصية المدير الأناني الذي لا يهتم بأحد، ويرى الجميع من حوله مذنبون كأنه يعكس المثل القائل «المتهم برئ حتى تثبت إدانته».. فالجميع عنده متهمون حتى تثبت براءتهم.

كلما طلب منه أحد موظفيه شيئًا يعتبرهم مقصرون، فكل إجازة من أجل التهرب من العمل، وكل موظفة جميلة عنده تقضي وقتها في العربدة مع الرجال، ويصل به سوء الظن لدرجة الشك في خيانة زوجته له.

سوء الظن والتسرع في الحكم على الآخرين، ما هو سببه الحقيقي؟ كيف فسره علم النفس وما نتيجته على المجتمع؟

التناقض في الأحكام

نحكم على الآخرين دومًا بشخصياتهم لا بظروفهم

أستاذ العلوم الإنسانية بجامعة ستانفورد بأمريكا «لي ديفيد روس» اهتم كثيرًا بسلوك الإنسان حين يحكم في قضية ما، وقد أثار دهشته وجود تناقض كبير بين حكم الإنسان على نفسه وحكمه على غيره.

يميل الإنسان للدفاع عن نفسه في أي موقف للحصول على البراءة، فحين يفشل في الامتحان مثلاً يقول لنفسه: الامتحان صعب أو الوقت قصير أو الظروف منعتني من المذاكرة أو أي سبب آخر خارج عن إرادته.

أما في حالة حكم الإنسان على غيره، يكون الحكم في الغالب في الشخص نفسه، فالطالب الراسب في الامتحان فشل بسبب كسله أو إهماله أو تأخره في المذاكرة والاستعداد.

هذا السلوك الإنساني المتناقض أسماه الدكتور «روس» بـ «خطأ الإسناد الأساسي» بمعنى أننا في الأغلب نحكم لأنفسنا على أساس العوامل الخارجية (التي ليس لنا ذنب فيها)، أما بالنسبة للآخرين فنحكم على أساس العوامل الداخلية (التي سببها الآخرين لأنفسهم).

لماذا نحكم بشكل خاطئ؟

حكمنا المتسرع على الآخرين يأتي ظالمًا أو معاكسًا للحقيقة في الأغلب، والأسباب تكون نفسية شائعة في المجتمع كالتالي:

كي أطمئن على نفسي
قد نظن أن الفتاة المغتصبة تستحق هذا دون النظر إلى حقيقة ظروفها

بحسب دراسات أستاذ علم النفس الأمريكي «ميلفن ليرنر» يعتقد بعضنا بشكل قاطع أن الحياة عادلة، وهكذا فالآخرين يستحقون ما يحدث لهم مهما كان مؤذيًا، هكذا تصير الفتاة التي تعرضت للاغتصاب مثلاً جانية على نفسها وتستحق ما حدث لها.

يميل الإنسان لهذا الحُكم السريع كي يطمئن على ابنته أو أخته مثلاً، فالحياة عادلة وبالتالي لن تتعرض فتاة تخصه للاغتصاب طالما ارتدت ثيابًا محتشمة وابتعدت عن الأماكن المريبة، رغم أن الاغتصاب قد يقع دون أي ذنب للفتاة.

القاضي العالم ببواطن الأمور
يحب الإنسان أن يكون قاضيًا يحكم على الجميع

يحب الإنسان أن يكون عالمًا ببواطن الأمور أمام نفسه والآخرين، ربما بسبب مبدأ «عقدة النقص» عنده الذي وضعه عالم النفس الشهير «ألفريد أدلر» وبسببه يسعى الإنسان إلى تعويض النقص حتى لو اختلق القصص الوهمية وحكم على الناس بعشوائية.

هكذا يلجأ الإنسان للحل السهل والسريع في الحكم على الآخرين، فلو صدمه رجل بسيارته على سبيل المثال لصاح بأن هذا السائق متهور وهمجي، مع أنه قد يكون في طريقه لإسعاف مريض أو فعل أي شيء مهم جعله يصدمه دون قصد.

المعاملة بالمثل
حين يتهم الناس الإنسان على الدوام سيعاملهم بالمثل

قد يجد الإنسان نفسه مظلومًا على الدوام ممن حوله حين يحكمون عليه بشكل خاطئ، فالمدير يلومه على القدوم متأخرًا بسبب نومه ولا يصدق أن الطريق مزدحم، وخطيبته تعاتبه لأنه لم يتصل به بسبب نسيانه مع أنه كان مشغولاً في العمل.

هذا التعامل حسب علم النفس الاجتماعي سيؤدي إلى المعاملة بالمثل، فيجد المرء منا نفسه يحكم على الآخرين بنفس الطريقة التي يحكمون بها عليه، وبالتالي يستمر الداء في المجتمع.

الآثارعلى الجميع

الكثير من المظلومين يعانون بسبب الحكم الخاطئ

من كل ما سبق، يتضح أن الحكم السريع على الآخرين قد يكون ظالمًا، ويجعلك تعامل الشخص كمذنب رغم أنه بريء، أما لو أعلنت حكمك على الملأ فقد تسبب المشاكل لهذا الشخص وتسوء سمعته بدون وجه حق، خاصة إن لم يطلب منك أحد الحكم أصلاً.

بل يتجاوز الأمر حكمنا على الأشخاص إلى الحكم على شعوب وأجناس بأكملها، وفئات مطحونة في المجتمع، فلا نلمتس لها العذر ونعتبرهم في مرتبة أقل، دون حساب لظروفهم وحقيقة أوضاعهم، فلا نقبل منهم توبة أو اعتذار.

وبنفس الطريقة، قد نعكس العملية لنعتبر أن نجاحات الآخرين ليست حقيقية، وإنما حصلوا عليها بسبب الحظ أو الواسطة، ففي الحالتين كان حكمنا خاطئًا واتهمنا الناجح والفاشل زورًا.

العلاج من أنفسنا

يقول المثل «عندما تشير بإصبع يدك نحو شخص لتنتقده تذكر أن هناك ثلاث أصابع من يدك تشير نحوك»

بالعودة إلى فيلم «على جثتي»، يكتشف أحمد حلمي أن حكمه على كل من حوله كان خاطئًا، فالموظفون لا يقصرون في أعمالهم، وزوجته مخلصة تمامًا له، لقد كان واقعًا في فخ الحكم الخاطئ بأسبابه المختلفة.

الحل الأساسي كما يقول المثل الشهير: «عندما تشير بإصبع يدك نحو شخص لتنتقده تذكر أن هناك ثلاث أصابع من يدك تشير نحوك»، في إشارة للتفكير قبل إصدار الأحكام، والأهم من هذا أن تحكم على الناس كما تحب أن يحكموا عليك.

لا تغفل عن الظروف الخارجية في حكمك على الآخرين، ولا تضعهم في قوالب ثابتة من الشر بمجرد حكم قد يكون خاطئًا، فأنت في كل الأحوال لست قاضيًا ولا ترى الصورة كاملة.

مدرسة هارفارد الأمريكية للأعمال تحذرمن الحكم الخاطئ في مكان الوظيفة وتصفه بالداء الذي لا شفاء منه في البشر، ولكنها تنصحك أن تتذكر المواقف الإيجابية لزملائك كلما وجدت لهم أخطاءً ومواقف سيئة، وتوصيك بالتحدث معهم ومناقشتهم فهذا سيمنحك المزيد من التعاطف بدلاً من الحكم الخاطئ.



0
0
0
0
0
0
0