في مطلع القرن السابع عشر كانت فرنسا تضع أولى لبنات مستعمراتها في أفريقيا، سيطرة كاملة فرضتها باريس على مقدرات الدول السمراء، حتى بعد حصولها على الاستقلال، فلا يزال الجنود الفرنسيون منتشرون في أفريقيا، كما أن الساسة الفرنسيون ابتكروا نوعًا جديدًا من الاستعمار من خلال فرض إتاوات باهظة على كل دولة تطالب بالاستقلال، ما زالت تدفعها الحكومات الأفريقية حتى اليوم.

شارل ديجول يؤسس لنظام الجباية

الجنرال الفرنسي شارل ديجول (1890 - 1970)، والذي قاد حركة المقاومة الفرنسية ضد جيوش النازي المحتل لبلاده، كان أول من ابتدع نظام الجباية الفرنسي، المفروض على 14 شعب في أفريقيا، وشارك مع غيره من رؤساء الإليزيه في سرقة مقدرات الشعوب نهبا دون مقابل.

وتقول بعض الترجمات إن كذبة إنهاء الاستعمار التي قادها ديجول كانت في الأصل إيهام بالخروج لترسيخ البقاء في إفريقيا، أو بعبارة أخرى «تغيير كل شيء ليظل كما هو».

تقرير مترجم لمجلة قراءات أفريقية، المتخصصة في شؤون القارة السمراء، عنوانه «انبعاث الاستعمار الفرنسي لإفريقيا من جديد» يقول إن حلف الناتو عمل من خلال أعضائه على مقاومة حركات التحرر الوطني في أفريقيا بحجة مقاومة الشيوعية، إبان الحرب الباردة، ولعبت فرنسا دور «رجل الدرك» الأوروبي في أفريقيا، عبر دبلوماسية موازية، فمنذ عام 1952م عينت المجموعة الديجولية، جاك فوكار، مستشار الرئيس ديجول، للمشاركة في الاتحاد الفرنسي المعني بإدارة العلاقات بين فرنسا ومستعمراتها.

الجنرال الفرنسي شارل ديجول (1890

وباستعراض الدول التي مازالت تدفع ضريبة الاستعمار لفرنسا، تبرز في البداية دولة توجو، وهي دولة صغيرة تقع في غرب أفريقيا، والتي سعى زعيمها فانوس أوليمبيو، أول رئيس منتخب للبلاد للاستقلال عن فرنسا في بداية خمسينيات القرن الماضي، لكن الرد الباريسي كان قاسيا.

كان أوليمبيو يحلم ببناء دولة مستقلة، لكن الفرنسيين لم تعجبهم الفكرة، فعرضت فرنسا بقيادة ديجول على رئيس توجو التوقيع على اتفاقيه استمرارية الاستعمار، إلا أنه رفض، لكنه وافق على دفع دين سنوي لفرنسا فيما يعرف بالاستفادات من المستعمر.

ووضعت فرنسا ذلك الشرط على رقبة الرئيس التوجي مقابل عدم تعرض بلاده لما حدث في غنيا قبل سنوات.

تدمير غنيا

بالرجوع لما حدث في غنيا فإن الفرنسيين قرروا الرد على مطالب الرئيس الغيني سيكوو توري، عام 1958 بالتحرر من الاستعمار، بطريقة مدمرة حيث قامت الإدارة الفرنسية بتدمير كل شيء في غينيا له علاقة بالاستعمار الفرنسي، وغادر قرابة 3 آلاف فرنسي غينيا، بأموالهم دفعة واحدة، ودمروا مالم يستطيعوا حمله من ممتلكات كالمدارس، وحضانات الأطفال، والمباني الإدارية، والمزارع ومراكز الثقافة، ومراكز الأبحاث، وغيرها.

مليارات أفريقية في بنك باريس المركزي

ووفقا لبنود الاتفاق الذي وضعته باريس لإنهاء الاستعمار فإن 14 دولة أفريقية ملزمة بوضع 85% من احتياطاتها الأجنبية في البنك المركزي الفرنسي، إضافة لدفع ديون فتره الاستعمار، حتى أن باريس تجني من ذلك قرابة 500 مليار دولار سنويًا، وهو ما دفع الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بالقول إن فرنسا بدون أفريقيا ستتحول لدولة من العالم الثالث.

تهديد لكل مناضل

الخطوة الفرنسية كانت بمثابة تهديد لكل زعيم أفريقي يحاول أن يطالب باستقلال دولته، لذا وضعت شرطا على راغبي الاستقلال وهو دفع تعويضات ما يعرف بـ «الدين للمستعمر» والتي قدرت بحوالي 40% من ميزانية دولة توجو  عام 1963 على سبيل المثال، وحاولت تصفية أو إنهاء حكم كل زعيم أفريقي يحاول الخروج عن العباءة الفرنسية.

تصفية رغم الرضوخ

 رغم رضوخ رئيس توجو للشروط الفرنسية القاسية، إلا أنه لم يسلم من الغدر الفرنسي، خصوصا بعدما حاول التخلص من التبعية الاقتصادية لباريس وأوقف التعامل بالعملة المفروضة عليه، والتي سميت «الفرنك الأفريقي» ولقي حتفه في 13 يناير 1963، بعد 3 أيام فقط من بدء طباعة العملة الجديدة، على يد مجموعة من الجنود المدعومين من فرنسا.

انقلابات دموية

في الخمسة عقود الماضية نفذ في أفريقيا قرابة 70 انقلابًا عسكريًا في 26 دولة، 16 منها كانت ترزح تحت الاستعمار الفرنسي، وكان غالبيتها دموي، وتوضح السطور التالية الدور الفرنسي في القضاء على الديمقراطيات الناشئة، حفاظا على إرثها الاستعماري.

حكاية الجابون مع الاستعمار الفرنسي أشد وطأة والمؤامرات الباريسية أكثر نكاية ودموية، فبعد الاستحواذ على البلد الغنية بالنفط، بدأ الساسة الفرنسيون في التفكير في آليات إخضاع دول الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية في إفريقيا، من خلال المؤامرات ودعم الانقلابات العسكرية.

وفي العام 1964 هبطت القوات الفرنسية في ليبرفيل، للدفاع عن نظام الحكم القائم، المدعوم من باريس، في الجابون بعد محاولة الانقلاب عليه.

مالي وإخوتها

وفي يونيو 1962م، تخلصت فرنسا من الرئيس المالي «موديبيا كايت» وهو أول رئيس منتخب، بعدما ألغى عملة الفرنك الإفريقي، ليلقي نفس مصير الرئيس التوجي أوليمبيو، حيث نفذ الجنرال «موسى تراوي» أحد ملازمي الفيلق الفرنسي الأجنبي انقلابا عسكريا ضده.

الأمر نفسه حدث في جمهورية فولتا العليا، بوركينا فاسو حاليا، حيث كان موريس ياميوغو، أول رئيس منتخب ضحية انقلاب قاده عبد القادر سنغولى لاميزانا، عام 1966، وهو أيضًا ملازم سابق في الفيلق الفرنسى الأجنبي، إذ قاتل مع القوات الفرنسية في إندونيسيا والجزائر ضد استقلال تلك البلدان.

وحسب مصادر نقلت عنها مجلة قراءات أفريقية وصلت إيرادات تجارة فرنسا في إفريقيا عام 2001 م 3,2 مليار يورو ما يعادل تجارة فرنسا مع كافة دول الاتحاد الأوروبي.

وفي يناير 1966 دعمت باريس انقلابا ضد ديفيد داكو أول رئيس منتخب لجمهورية إفريقيا الوسطى، على يد جين بيديل بوكاسا، وهو ملازم سابق للفيلق الفرنسى الأجنبي.

أيضا في أكتوبر 1972، قادَ ماثيو كيريكو، والذي كان حارسًا للرئيس هيوبيرت ماغا، أول رئيس منتخب في جمهورية بنين انقلابًا على الرئيس بعد دِراسته في المدرسة العسكرية الفرنسية بين عامي 1968 و1970.

 التدخلات الفرنسية كانت حاضرة في السنغال ففي عام 1958، وخوفا من عواقب الاستقلال من الاستعمار الفرنسي، صرح الرئيس ليبولد سادير سينغهور: «أن خيار الشعب السينغالي للاستقلال هو لبناء صداقة مع فرنسا لا لأجل إثارة نزاع معها».

وفي ساحل العاج عندما حاول الرئيس لوران غباغبو التخلص من الاستغلال الفرنسي لبلاده، وفقا لتقرير نشره ساسة بوست، دبَرت فرنسا انقلابًا للإطاحة به، وتدخلت الدبابات والطائرات الفرنسية والقوات الخاصة مباشرة في الأزمة وأطلقت النار على المدنيين وقتلت الكثيرين، وبعد نجاح الانقلاب ونقل السلطة إلى «ألأسن أوتارا»، طلبت الحكومة الفرنسية من أوتارا دفع تعويضات لمجتمع رجال الأعمال الفرنسي لخسائرهم خلال الحرب الأهلية.

وحسب مصادر نقلت عنها مجلة قراءات أفريقية وصلت إيرادات تجارة فرنسا في إفريقيا عام 2001 م 3,2 مليار يورو ما يعادل تجارة فرنسا مع كافة دول الاتحاد الأوروبي.



0
0
0
0
0
0
0