تحقق حُلم الزعيم محمد فريد بدفن جثمانه في أرض مصر، رغم قضاء نحبه خارج الوطن في العاصمة الألمانية برلين، ولكن من مماته إلى دفنه كانت هناك قصة.

يذكر عبد الرحمن الرافعي في كتابه «محمد فريد رمز الإخلاص والتضحية»، أنه عندما أيقن محمد فريد أنه سيفارق الحياة، دون أن يرى استقلال بلاده، استسلم للموت، وجمع إخوانه الموجودين حوله، وأوصاهم بالاتحاد، وأن يبثوا بين أبناء الوطن هذه الروح السامية التي تحفظ كيانهم، وتقرب استقلالهم.

وقال في النهاية: «أنا وأولادي وكل عزيز لديَّ فداء مصر، لقد قضيت بعيداً عن مصر سبع سنوات، فإذا مت فضعوني في صندوق، واحفظوني في مكان أمين، حتى تتاح الفرصة لنقل جثتي إلى وطني العزيز الذي أفارقه، وكنت أود أن أراه».

الجثمان في الكنيسة

دخل «فريد» في غيبوبة، وأسلم الروح في منتصف الساعة الحادية عشرة من مساء السبت 15 نوفمبر 1919، بعد حياة حافلة بالنضال قاد فيها الحزب الوطني بعد وفاة زعيمه ومؤسسه مصطفى كامل عام 1908، ثم سفره إلى أوروبا سنة 1911 بعد تأديته عقوبة السجن في قضية كتابته مقدمة ديوان شعر «وطنيتي» الذي قام بتاليفه علي الغاياتي.

ظل «فريد» في غربته يكابده الشوق إلى رؤية مصر، لكن أمنيته لم تتحقق، ورغم ذلك لم يهداً في غربته يوماً واحداً من النضال بالكلمة والكتابة في كل مكان من أجل استقلال مصر، وأنفق في ذلك كل ما يملك، كما لم يقعده مرض الكبد الذي أصابه وهو في سن الشباب بمصر.

وحسب «الرافعي»: «لما هاجر (محمد فريد) من مصر إلى أوروبا تأثرت حالته الصحية بسبب الغربة وتنقله في البلاد الأوروبية، وإجهاد نفسه في العمل المتواصل من الكتابة في الصحف والمجلات، والخطابة في المحافل والمؤتمرات، ومقابلاته للمصريين والشرقيين والأوربيين، ومراسلاتهم لهم ولأصدقائه وتلاميذه في مصر، ورحلاته المستمرة لرفع صوت مصر، والإعراب عن مطالبها وآمالها، فأثرت فيه هذه الجهود المضنية، وزاد في تأثيرها جو أوروبا البارد الذي لم يألفه في الشتاء، فكانت سنوات المنفى سبباً لاعتلال صحته».

أبلغ الدكتور عبد العزيز عمران، صديق الراحل، الذي يعد من خاصة تلاميذه، نبأ الرحيل إلى المصريين في برلين، ونقلته الصحف الألمانية في اليوم التالي، وقرر المصريون تشييع جنازته ببرلين بما يليق بمنزلته، وتم وضع جثمانه في تابوت من حديد لكي يمكن نقله إلى مصر عند سنوح الفرصة عملاً بتوصيته.

ويذكر المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعى في كتاب ثانٍ منحه عنوان «بطل الكفاح الشهيد محمد فريد»، أن الزعيم الراحل عندما توفي في ألمانيا، كانت عودة جثمانه إلى مصر أمرا يبدو مستحيلاً، بسبب أزمة ذويه المادية، حيث تم تأبينه هناك من قبل عدد من طلابه، وعدد من الوفود الشرقية هناك، وبقى التابوت الذى حمل جثمانه وديعة لدى كنيسة ألمانيا، وظل فيها حتى نقل إلى مصر فى يونيو 1920.

عودة الجثمان

وكانت عودة الجثمان ورفات الزعيم الراحل، تجول فى خواطر الكثيرين، إذ لا يليق أن تدع رفات زعيم وطنى ضحى من أجل الوطن بماله وروحه وديعة في كنيسة في ألمانيا، لذا «تم تكوين وفد مصري من اثني عشر طالباً من تلامذة الزعيم محمد فريد، ليتولوا مهام نقل الرفات، لكن القدر لم يمهلهم إتمام مهمتهم، بعدما لحقوا بمعلمهم إلى الرفيق الأعلى، حيث توفوا أثر حادث قطار كان يقلهم على الحدود الإيطالية النمساوية في طريقهم إلى ألمانيا».

لكن شخص آخر قرر أن يقوم بهذه المهمة التي لم تكتمل، هو تاجر القماش الحاج خليل عفيفي. وقد أخذ ترخيصاً من الحكومة المصرية لنقل الرفات، وأبحر من الإسكندرية يوم الجمعة 5 مارس قاصداً برلين، عن طريق فرنسا، ولم يكد يصل إلى باريس حتى علم بنشوب بعض الاضطرابات السياسية في إحدى المقاطعات الألمانية، فأقام في فرنسا حتى استقرت الأوضاع، ثم سافر إلى باريس يوم 28 أبريل.

فى ألمانيا واجه الرجل صعوبة أخرى، وهى صدور قانون يمنع نقل رفات المتوفين في الأراضي الألمانية إلى أي بلد آخر، فسعى لدى الحكومة الألمانية، وساعده في مسعاه الدكتور عبد العزيز عمران وإسماعيل بك لبيب، وكذلك عاونه محمد أفندى سليمان التاجر المقيم هناك، والبارون أوبنهايم.

فى ظل هذه الأثناء توفى جندي فرنسي في ألمانيا، فتقدمت الحكومة هناك باستثناء لنقل جثمانه للدفن في بلده، فوافقت الحكومة الألمانية، وهو ما استند إليه الحاج خليل عفيفي من أجل عودة رفات الزعيم الراحل، وهو ما تم وأخذ ترخيصا بذلك، وتم تشييع جثمان الزعيم محمد فريد من محطة برلين فى يوم الجمعة 21 مايو 1920، ثم أقلته الباخرة حلوان التي أبحرت يوم 3 يونيو قاصدة الإسكندرية.

وصل الجثمان فى  8 يونيو 1920، وتشكلت لجنة برعاية الأمير عمر طوسون وأحمد يحيى باشا، وتم تشييع الرفات فى جنازة شعبية مهيبة، وتقدمت الحكومة المصرية بشكر خاص ومنح الحاج خليل عفيفى وساماً تكريماً على موقفه الوطني الكبير.



المصدر

*كتاب «بطل الكفاح الشهيد محمد فريد»، عبد الرحمن الرافعي.    *كتابه «محمد فريد رمز الإخلاص والتضحية». عبد الرحمن الرافعي.     *كتاب «ذات يوم.. يوميات ألف عام وأكثر». سعيد الشحات.

 

0
0
0
0
0
0
0