تحكي الطبيبة سارة الذهبي عن تجربتها المختلفة مع تربية أطفالها، فقد كانت تعتبر الأطفال كائنات عنيدة بطبعها، بمجرد أن تطلب منها أي شيء ستقابلك بالرفض، ووقتها سيكون الحل المناسب الوحيد هو «الشبشب الطاير» الذي اعتاد الآباء والأمهات استخدامه لكل طفل عنيد.

سرعان ما غيرت «سارة» وجهة نظرها، حين رأت عناد طفلها في أمور بسيطة غير الأكل واللبس، فعندما يرسم الشمس مثلاً باللون الأزرق حاولت إخباره الحقيقة ببساطة «الشمس لونها أصفر مش أزرق» لكن الطفل عاند وأصرّ على رسم ما يحلو له.

سألت الأم مدرسته فقالت لها «ده طفل ولازم يبدع على قد سنه ويعبر عن نفسه» إذن فالطفل يرفض ويعاند في أمور لا تهم أصلاً مثل لون الشمس، فماذا يقصد بهذا السلوك وهل له فوائد من الأساس؟

جيد ومؤشر للخطر

العناد في بعض الأحيان يعبر عن شخصية قوية كما ترى الأخصائية النفسية إيمان الشيمي، حين يكون الطفل محقًا في هذا العناد، ولا يرفض لمجرد الرفض، بل لأن نفسيته وفطرته لا تقبل بالظلم الواقع عليه نتيجة قسوة أو تجاهل أو سلبية.

ما الذي يجعل طفلك عنيدا؟

في كتابها «نفسية طفلك من سنة إلى 18» توضح الأخصائية النفسية سهام حسن الأسباب التي تجعل الطفل محقًا في عناده كالآتي:

طلبات خاطئة

طلبات الوالدين غير المنطقية أو المبررة قد تدفع الطفل للعناد والرفض، فلو طلبا منه ارتداء ملابس ثقيلة في الجو الحار مثلاً فسوف يرفض الطفل كرد فعل طبيعي وغريزي بداخله.

عناد لإثبات الذات

يضطر الطفل للعناد والرفض أحيانًا عندما لا يستمع إليه الوالدان أو يناقشاه، فيلجأ إلى هذا السلوك ويرفض الأوامر تعبيرًا عن نفسه ورغبة في إثبات ذاته.

القسوة الدائمة

إذا اعتمد الوالدان على القسوة في التعامل بشكل دائم فقد يسعى الطفل إلى المقاومة بنفس الأسلوب، ويرفض التدخل في حياته والتسلط عليها في كل صغيرة وكبيرة، فهو يسعى إلى الاستقلالية.

التعود عليه

إذا استعمل الطفل العناد مرة ونجح معه في الحصول على ما يريد، فسوف يستغله في المرات التالية لتحقيق أهدافه، لأنه اكتشف تأثيره على والديه.

عناد بلا قصد

يعاند الطفل والديه أحيانًا بسبب نقص الذكاء أو التأخر في الكلام أو الحركة المفرطة، هنا يكون العناد بلا قصد أو هدف، ويصير على الوالدين عرض الطفل على أخصائي نفسي أو أخصائي تخاطب.

العناد مفيد للمستقبل أكثر من عكسه

بجانب أن العناد ينبه الأبوين إلى مشكلة فيهما، ترى الدكتورة إيمان الشيمي أن العناد أفضل من السلبية كذلك، لأن الطفل الذي يسمع الكلام وينفذ الأوامر بلا نقاش سيقع في فخ الاستغلال والابتزاز بشكل دائم في طفولته، وبعض حوادث التحرش بالأطفال تأتي من هذا السلوك.

المشكلة الأخرى أن الطفل الذي لا يعاند والديه في الطفولة سيأتي في شبابه ويعاندهم متأخرًا، وقد يتخذ قرارات تضر بحياته وعمله لمجرد تعويض ما فاته في طفولته، فبعض الشباب يغير وظيفته أو يتزوج من فتاة لا تناسبه لمجرد الشعور باستقلاليته التي لم يحصل عليها في الطفولة.

كيف تتعامل مع عناد طفلك؟

الآن عرف الأبوان أن مشكلة العناد ناتجة عنهما، وصار عليهام حلها أولاً عن طريق خطوات محددة تسردها الأخصائية النفسية سهام حسن في كتابها «نفسية طفلك من سنة إلى 18» كالتالي:

  • على الأبوين التساهل في بعض الأمور البسيطة، لأن النهي الدائم سيقابله الطفل بعناد دائم

  • اجعل طفلك يعتمد على نفسه في أمور بسيطة كاختيار ملابسه، وهكذا تتجنب معاندته

  • أطلب من طفلك ولا تأمره، وقل له مثلاً «لو سمحت هات كذا» بدلاً من «تعالى بسرعة هات كذا»

  • لا تجبر طفلك على تنفيذ الأمر، فمثلاً اجعله يشعر أولاً ببرودة الجو وسوف يرتدي الملابس الثقيلة من نفسه، بدلاً من إجباره بالغصب

  • إياك أن تعاند طفلك بنفس أسلوبه كأنك طفل آخر مثله، فهنا سيتمادى معك أكثر

  • استمع إلى شكاوى طفلك باستمرار وصبر، فالصداقة بينكما ستجعله يقبل أوامرك ببساطة

الوجه المظلم للعناد 

يظن بعض الآباء أن عناد الطفل وشقاوته شيء جيد في المجمل، لكن الدكتورة إيمان الشيمي تنفي هذه النظرة القاصرة، لأن المعاندة قد تأخذ شكلاً سلبيًا وخطيرًا حين يعاند الطفل لمجرد العناد فقط بلا سبب وجيه مما ذكرناه بالأعلى.

ترى «الشيمي» أيضًا أن هناك مبدأ منتشر في المجتمعات العربية يمكن تسميته بـ«راحة الدماغ» فالوالدان لا يرهقان أنفسهما بالتوجيه السليم والمدروس، ويقابلون العناد بأساليب خاطئة مثل الضرب، فيكبر الطفل بالكثير من العُقد النفسية التي تتعبه في حياته ومستقبله.



0
0
0
0
0
0
0