حين تفقد الشغف والحماس للحياة، وتجبر نفسك على نشاط ما لا تشعر بلذة أو استمتاع، أنت تمر إذن بحالة نفسية تُسمى الملل، وهو أحد المشاعر التي يرغب الإنسان في قتلها والتخلص منها بقدر المستطاع.

رغم هذا، يبقى للملل جانبه المفيد مثل الألم والاشمئزاز والغيرة وسائر الأحاسيس السلبية، وفي هذا التقرير ستعرف لماذا عليك الامتنان تجاه شعورك بالملل الذي سيغير حياتك والعالم من حولك.

يدفعك للعمل والإنتاج

الشخص الذي يعاني من الفراغ يصيبه الملل بالضرورة كما يقول استشاري الطب النفسي جمال فرويز، فالملل يدفع الإنسان إلى ملأ هذا الفراغ بالعمل والبذل الطاقة، والدكتور مصطفى محمود له مقولة في هذا الصدد هي «الملل عقوبة الطبيعة لمن لا يعمل».

لولا الملل لظل العاطل عن العمل سعيدًا بحالته، فالملل هنا بالنسبة لنفسية الإنسان كالجوع بالنسبة للمعدة، عليه أن يعالجه وكأن النفس تحتاج إلى الامتلاء بالعمل والحركة ومن ثم النجاح والإنتاج الأفضل.

يوجهك للتجديد والراحة

يقول الدكتور بديع محمود في كتابه «علم النفس المهني» أن الملل يصيب الإنسان في العمل كذلك، حين لا يميل إلى ما يفعله، وبالتالي يسبب له التعب بسرعة، بعكس العمل الذي يتحمس له ويبذل فيه المجهود باستمتاع ينسيه تعبه.

الملل هنا يلعب دور الألم الذي تشعر به عند لمس السطح الساخن وتبعد يدك بسرعة لسلامتك، وبنفس الكيفية يدفعك الملل لتغيير العمل أو النشاط الذي يضايقك إلى نشاط آخر محبب يسعدك ويريحك.

نفس الشيء هنا بالنسبة للأصحاب والمعارف وغير ذلك، عليك بالتغيير ما استطعت، وإلا ستبقى في التعب والإحباط للأبد كالثور الذي يدور في ساقية.

نذير مبكر

 

يصف استشاري الطب النفسي جمال فرويز الملل بأنه نوع من «الاكتئاب التفاعلي» الذي يسبق الاكتئاب الفعلي، فالإنسان الذي يشعر بالملل يستطيع الخلاص منه بسرعة إذا زال السبب، سواء كان يحتاج إلى تغيير وظيفته أو أصحابه.

أما لو ترك الإنسان نفسه على حالته من الملل والضيق، فربما تتطور المشكلة إلى متاعب صحية ونفسية تشمل الآلام الجسدية أيضًا، ويدخل في دوامة الاكتئاب التي يصعب الخروج منها فيما بعد.  

الملل يدفعك للإبداع

 

بعض الأشخاص يتأثرون بالملل إيجابًا ويحاولون تغييره بالإبداع في عملهم والبعض الآخر يتأثرون سلبًا، ويذكر الدكتور جمال فرويز حالة الشاعر صلاح جاهين الذي أصابه الملل والاكتئاب بأزمة جعلته عاجزًا عن الإبداع.

لو أصابك الملل وجعلته دافعًا لك في تنفيذ أفكار إبداعية، فأنت من النوع الإيجابي الذي يكره الرتابة والتكرار ويرغب دومًا في الجديد والمختلف، كل ما عليك أن تحاول وتفكر خارج الصندوق.

يغير الفنون من حولك​​​​​​​

في كتابه «البطل بألف وجه» أثبت الباحث الأمريكي جوزيف كامبل أن معظم قصص الأفلام والمسلسلات مكررة شبه ثابتة وكأن البطل فيها يحمل «ألف وجه»، فمهما تغيرت القصة يبقى السيناريو واحدًا.

هذه النتيجة وصل إليها الباحث عن طريق مقارنة آلاف القصص والملاحم المتشابهة في تفاصيلها، فالبطل دائمًا يسلك رحلة ويبدأ ضعيفًا ثم يقابل من ينصحه ويشتبك في صراع مع أعداؤه وفي النهاية ينتصر.

هذه المشكلة في تكرار الفنون أتت من حب الجمهور للقصص البطولية حتى لو أصابتهم بالملل، لكن هنا يحاول بعض الفنانين تغيير القوالب المعروفة ويخرجوا بقصص جديدة وتقديمها للمشاهد الواعي، فلولا الملل لظلت الفنون كلها واحدة متكررة حتى اليوم.



0
0
0
0
0
0
0