شعره مزيج بين الرومانسية، والخيال، واقعي حد التصديق، وخيالي حتى الدهشة، هكذا يمكن وصف أعمال الشاعر السوداني الراحل إدريس جماع، الذي أدرجت أشعاره بين مناهج التربية والتعليم في السودان، وتغني بها كثير من المطربين العرب سواء في السودان أو خارجها.

رغم أنه لم يطبع له إلا ديوان واحد بعنون «لحظات باقية» إلا أن إدريس محمد جماع، حظي على شهرة واسعة بين المبدعين والمثقفين العرب، وذلك راجع لأن شعره كان معبرا بأسلوب صادق عن نفسه وعن وجدان أمتهه، فقد وصف فيه المشاعر الإنسانية من حيث الفرح والألم والحزن، كما وصف فيه الوطني الغيور على حرية وطنه وكرامة أهله.

في أبياته محكمة البناء والوصف وصل جماع بين السودان وأمته العربية والإسلامية، وتناول في قصائده الجزائر ومصر وفلسطين، واقتحم قضايا التحرر في العالم.

في العام 1922 ولد إدريس جمّاع، بمدينة حلفاية الملوك، وبدأ تعليمه في سن مبكرة في خلوة المنطقة التي كان يتعلم فيها الصغار ويحفظون القرآن، ثم التحق بمدرسة حلفاية الملوك الأولية في عام 1930، ومنها إلى مدرسة أم درمان الوسطى بمدينة أم درمان في عام 1934م ولكنه لم يكمل الدراسة فيها لظروف مالية.

في عام 1946 التحق إدريس جماع بكلية المعلمين ببخت الرضا، ثم جاء إلى مصر عام 1947 ليدرس في معهد المعلمين بالزيتون، ومنه إلى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، والتي تخرج فيها عام 1951م حائزاً على درجة الليسانس في اللغة العربية وآدابها والدراسات الإسلامية، ثم التحق بمعهد التربية للمعلمين ونال دبلوم التربية عام 1952م.

امتاز شعر إدريس بالرومانسية والجمال ودقة الوصف، حتى ارتبط الناس بقصائده ونسجوا حولها حكايات بعضها صحيح والآخر مفتعل، حدث ذلك مع قصيدته التي يقول فيها،

أعلى الجمال تغار منا

ماذا عليك إذا نظرنا

هي نظرة تنسى الوقارَ

وتسعدُ الروحَ المعنّى

دنياي أنت وفرحتي

ومني الفؤاد إذا تَمَنّى

أنتَ السماءُ بدتْ لنا

  واستعصمتْ بالبعدِ عنا

تقول بعض الروايات إن إدريس لما أصيب بمرض نفسي أرسله أهله للعلاج في القاهرة، وشاهد عروسا جميلة في الطريق، حتى أنه وقف يتأملها وينظر إليها بفجاجة وهو ما ضايق زوجها، فلما هاجمه أنشد هذه الأبيات.

وليست هذه هي القصيدة الوحيدة للشاعر الكبير إدريس جماع، فله كثير من القصائد التي  تحفظها ذاكرة الأجيال السودانية كـ«أمة للمجد»، لكن قلة إنتاجه الشعر ترجع إلى أنه كان يكتب على الرمل إذا داهمته القصائد، فضاع كثير من شعره ونسب بعضه إلى آخرين، وقد عرف عن الرجل اقتناصه للغريب والجميل من التعابير والكلمات والصور.

عمل إدريس معلمًا بالمدارس الأولية 1942 - 1947، وبعد رجوعه من مصر عام 1952 عين معلماً بمعهد التربية في «شندي»، ثم معهد «بخت الرضا»، وبعد ذلك بالمدارس الوسطى والثانوية عام 1956.

كانت نهاية الشاعر السوداني الشهير مأساوية، ففي سنة 1980 مات بعد أن أنهكه المرض النفسي، وأصبح يمشي هائماً على وجهه، ودفن في مسقط رأسه بمدينة حلفاية الملوك.



0
0
0
0
0
0
0