بينما كان أفراد الأسرة يجتمعون في حديقة المنزل كل ليلة، ليمارسوا هواياتهم ما بين الغناء والعزف، كان أطفال الحي يتسلقون سور الحديقة بشغف ليستمعوا للموسيقى والغناء الذي أخذ يشدهم كما السحر، وعلى شرفات المنازل المجاورة يقف الجيران لمتابعة أمسياتهم الجميلة التي لا تقاوم.

سيد الملاح كان الابن الأكبر لهذه العائلة والذي أصبح فيما بعد من أهم رواد فن المونولوج في مصر والبلاد العربية، وله بصمته الخاصة في هذا المجال، فلم يأت بعده من يتابع الحفاظ وبنفس الروح والحيوية على المونولوج كفن ظل له دوره الرائد على مدار سنوات عديدة.

نشأة فنية

في شارع عبادي في بورسعيد ولد سيد الملاح عام 1937، وبرزت موهبته أثناء المرحلة الإعدادية، وبدأها بتقليد المدرسين واكتسب محبتهم من خلال هذه الموهبة، وكانت المفاجأة عندما قدم في حفل مدرسي مونولوجاً فكاهياً على وزن لحن أغنية عبد الوهاب «لست أدري» من تأليف أستاذه مدرس اللغة العربية.

أصبح بعد ذلك حاضراً في حفلات المدرسة، وانضم إلى فريق التمثيل، وشارك في عروض مسرحية منها «الخنساء» و«قسمتي كده».

بعد الانتهاء من المرحلة الثانوية تقدم إلى امتحان كلية التربية الموسيقية، وأمام اللجنة غنى وعزف على العود والكمان والإيقاع وأدى رقصة «البمبوطية»، وكانت النتيجة حصوله على الدرجة الأولى، فاستحق منحة تعليمية مجانية ومكافأة قيمتها عشرة جنيهات شهرياً، ثم انضم لفرقة الجامعة كعازف كمان وشارك كعازف مع الفرقة في حفلات يومية بحديقة الأندلس.

التلفزيون المصري

في السنوات الأولى لافتتاح التلفزيون المصري حصل على فرصة في «برنامج الهواة» وقدم فقرة فكاهية، تصادف وقتها أن شاهد الرئيس جمال عبد الناصر هذا البرنامج وأثار إعجابه، فأوعز للمسئولين بأن يشارك في احتفالات عيد الثورة والتي كانت ستبدأ بعد أيام عام 1964.

شارك الملاح في هذا الحفل مع نجوم غناء الستينيات في مصر وكان يذاع على الهواء مباشرة من خلال الإذاعة والتلفزيون، وبذلك واتته الفرصة ليحقق الشهرة ويصبح حيث الناس في اليوم التالي.

في الوقت نفسه كان الملاح موظفاً في وزارة التربية والتعليم كمدير لإدارة النشاط المدرسي والتربية المسرحية في الوزارة، وأصبح وكيلاً لوزارة التربية والتعليم وأثبت كفاءته في هذا المجال حتى وصل للسن القانوني للمعاش.

«لمة» رمضان

ارتبط سيد الملاح في ذاكرة أبناء الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كعنوان للبسمة والبهجة، والتي علقت في أذهان الناس آنذاك بأغانيه الناقدة وتقليده للفنانين، ففي رمضان وبعد إفطار المغرب كانت تتوجه الأيادي نحو مؤشر الراديو لتستقر على محطة الإذاعة المصرية للاستماع لبرامجه ومسلسلاته وأغانيه الرمضانية التي استمرت وعلى مدار ثلاثين سنة، حتى أصبحت أعماله سمة بارزة من طقوس الشهر الفضيل.

من هذه الأعمال مسلسل «سيد مع حرمه في رمضان» وقدمه مع الفنانة سهير البابلي. تخلل الحلقات حوار غنائي بين سيد وسهير من ألحانه، في الوقت نفسه تسلط الحلقات الضوء على قضايا تتعلق بسلوك الناس في الشهر الكريم والتركيز على القيم الاجتماعية والدينية.

ومن الموضوعات التي طرحها المسلسل «الإسراف في الطعام»، و«السهر في ليالي رمضان»، و«دعوة سهير في ليلة القدر»، و«أزمة التاكسي»، و«المرتب».

ومع الفنانة سناء جميل، قدم أيضاً المسلسل الرمضاني الشهير «مع السمسمية»، وهو بنفس التوجه ويحمل رسالة هدفها يتوافق مع أجواء الشهر الكريم.

مضايقات الفنانين

ورغم تأثره بمونولوجات إسماعيل ياسين، إلا أن سيد الملاح لم يقدم المونولوج للترفيه فقط، وإنما واكب بأعماله المشروع الثقافي الذي تبنته مصر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ومن هنا قدم أعماله التي تخدم هذه الرسالة وتسلط الضوء على عيوب المجتمعات العربية ومكامن الخلل بها في منولوجات عديد،ة منها «حاذر من الإشاعات» و«اسمعوا أخبار الكورة»، و«أصحاب السوء»، و«العتبة جزاز».

برع الملاح أيضاً في تقليد الفنانين ورغم ما لقيه من مضايقات من بعض المطربين الذين اعتاد أن يقلدهم مثل محمد عبد المطلب الذي صعد على المسرح في إحدى الحفلات ليضربه بالكرسي لولا تدخل الشرطة، لأن الملاح كان يقدم الشخصية مع المبالغة بإضافة لمساته الساخرة، فأبدع في تقليد فهد بلان ووديع الصافي وفريد الأطرش وشفيق جلال، واعتاد أن يختتم الفقرات بأغنيته الخفيفة والمرحة «على باب درب المهابيل».

إبريق الشاي

من المحطات المهمة في تجربة الملاح أغنية الأطفال «إبريق الشاي» التي تعتبر نموذجاً لتقديم المضمون الإيجابي للطفل، فأول ما يلفت الانتباه موضوع الأغنية، كون إبريق الشاي من المشاهدات اليومية والمألوفة التي يعيشها الطفل، كما أن توظيف الأغنية لخيال الطفل جعلتها تدخل لقلوبهم، حيث قام الملاح بدور «إبريق الشاي» مع أدائه الحركات المعبرة بجسده لتوصيل الفكرة.

مشاركات سينمائية

لم يحالف الحظ سيد الملاح في السينما، لأن شهرته بدأت مع غياب البسمة إثر هزيمة 1967، وانعكس ذلك على السينما بشكل ملحوظ، وكانت أغلب الأعمال تلك الفترة يغلب عليها السذاجة والطابع التجاري، إضافة لسفر نجوم الفكاهة آنذاك للاشتراك بأفلام خارج مصر ضمن منظومة علاقات عامة لم يستطع الكل إجادتها، لذا ظل اعتماد سيد الملاح على مشاركاته الغنائية في حفلات «أضواء المدينة» و«ليالي التلفزيون».

وكان من الأعمال القليلة التي شارك بها في السينما، فيلم «غازية من سنباط» 1967 بطولة شريفة فاضل ومحمد عوض وعبد اللطيف التلباني وإخراج السيد زيادة،  و«إضراب الشحاتين» 1967 بطولة لبنى عبد العزيز وكرم مطاوع وإخراج حسن الإمام.  



المصدر

كتاب «المنسي في الغناء العربي. الجزء الثاني». زياد عساف.

0
0
0
1
0
0
0