احتل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مساحة كبيرة من مذكرات الساسة الأمريكيين والبريطانيين الذين عاصروا فترة حكمه لمصر، فكشفوا عن جوانب في شخصيته عبر احتكاكهم المباشر به، أو انخراطهم في سياسات بلادهم، أو اعتمادهم على تقارير وخطط أجهزة الاستخبارات. مجدي كامل استعرض بعضاً مما كُتب عن ناصر في كتابه «الحكام العرب في مذكرات زعماء وقادة ورجال مخابرات العالم».

محاولات قتل وتأديب

تكشف مذكرات الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور «البيت الأبيض. 1953- 1961» سراً ظل مجهولاً لفترة طويلة، وهو أن فوستر دالاس وزير الخارجية طلب من المخابرات الأمريكية في أواخر عام 1955 أن تعد سيناريوهات محتملة لقتل الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وفعلاً تم إعداد هذه الصيغ الممكنة، وعرضها دالاس على أيزنهاور الذي رفض الفكرة من أساسها، قائلاً إنه يستبعد أن يكون عبد الناصر وراء زعزعة المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.

لكن في 1956 تغير رأي الرئيس الأمريكي الأسبق تجاه نظيره المصري فكتب، «إني مقتنع أن عبد الناصر لن يقوم بأي حركة من أجل السلام، وأن العرب أصبحوا مشكلة، ولذلك سوف أعمل جهدي على إحداث الشقاق بين عبد الناصر والملك سعود».

وعندما هدد عبد الناصر بتأميم القناة تحرك إيدن كما جاء في مذكرات إيزنهاور- في اتجاه الاحتلال العسكري للقناة ولمصر إن لزم الأمر، قائلاً في مذكرة أرسلها في مايو 1956 إلى أيزنهاور، «الغرب سيختنق، وسينقطع عنه صنبور النفط، ولا يمكن أن نترك عبد الناصر يؤمم القنال ويهدد مصالحنا البحرية.. والأمر يدعو إلى تأديب عبد الناصر».

غير أن أبرز ما كشفت عنه المذكرات ما رواه أيزنهاور على لسان روبرت مورفي رئيس المخابرات الأمريكية، «لدينا في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة من بين العرب حلفاء، أعربوا لنا عن رغبتهم في تحجيم عبد الناصر، ولكنهم يرون أن عملاً عسكرياً في القنال لا يأتي بتلك النتيجة».

 مصالح حمقاء

أما الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون (1969 – 1974) فقد وصف عبد الناصر في مذكراته التي حملتها كتبه «القادة»، و«الفرصة السانحة»، و«نصر بلا حرب»، بقوله: «إنه سريع الغضب والاشتعال، نافد الصبر، ديكتاتور، تملكته المصالح الحمقاء، التي سارت به إلى الأبد في طريق المزيد من حاجات شعبه الدنيوية قليلة الشأن».

ويقول: «رأيت الشباب والشيوخ أغنياء وفقراء ينصتون لصوته بنظرات يعلوها الابتهاج الغامر».. ثم يمضي فيقول: «بنى ناصر دعوته القومية على أساسين، أولهما: العداء لإسرائيل، والثاني: عدم الثقة بالغرب، وكلاهما عملان هدامان بدلاً من أن يكونا عاملين بناءين».

وتابع: «لقد سعى ناصر دائماً لتحقيق الوحدة العربية ليكون على رأسها، وهو يرى أن القومية تعني ولاءً له وعداءً للغرب».

ويمضي في تعرضه لشخصية ناصر فيقول: «لقد وضع ناصر بلاده في صنارة في يد موسكو، وكان نظام حكمه استبدادياً قاسياً، غير أنه كانت لقسوته ليونة لأنه كان قائداً ثورياً محبوباً.. وكان ناصر قائداً عاطفياً قادراً على الرؤية داخل قلوب شعبه.. وقد سبب موته المفاجئ نار الأسى ومظاهر الحزن، التي لم يشهد العالم لها مثيلاً».

مجرد أداة

وفي مذكراته «سنوات في البيت الأبيض»، يرى هنري كيسنجر وزير خارجية نيكسون، عبد الناصر: «عنيداً يفاخر بعناده، ويراه أساسياً في سبيل توحيد العرب، ولأجل ذلك كان يرى نفسه مجبراً دوماً على معارضتنا».

ويمضي فيقول، «إن فكرة القومية العربية التي تبناها ناصر، هي مجرد تفكير رمزي، ورؤيا شبه نبوية، وحلم يستلهم من المؤمنين الحقيقيين أعمالاً بطولية، لكنها نادرة التحقيق».

وتابع «ناصر لم يعرف كيف يوفق بين الطموحات الدولية التي يمارسها، وحدسه الذي كان يظهر له أن لدى مصر وسائل محدودة في سبيل تحقيقها»، غير انه قال «كان السوفييت يعتبرون ناصر مجرد أداة من أدواتهم الرئيسية في الشرق الأوسط».

بلا رذيلة

وعن سر ارتباط بسطاء المصريين والعرب بشخص عبد الناصر يقول يوجين جوستين رجل المخابرات المركزية الأمريكية في مذكراته التي عنونها بـ«التقدم نحو القوة»: «إن مشكلتنا مع ناصر أنه رجل بلا رذيلة، ما يجعله من الناحية العملية غير قابل للتجريح، فلا نساء، ولا خمر، ولا مخدرات.. ولا يمكن شراؤه، أو رشوته، أو حتى إخافته، نحن نكرهه ككل، لكننا لا نستطيع أن نفعل تجاهه شيئاً، لأنه بلا رذيلة وغير قابل للفساد».

الخلاص من ناصر

أما رئيس الوزراء البريطاني الأسبق أنتوني إيدن فقد سرد في مذكراته عن حرب السويس التي منحها عنوان «السرقة» تفاصيل كثيرة عن هذه الحرب، محاولاً نفي مسئوليته منفرداً عن الهزيمة، فذكر «بعض قيادات العرب قالت لي أن لاشيء ينقذ الشرق الأوسط إلا الخلاص من جمال عبد الناصر. ومن ثم فهم معه في المسئولية».

ويقول أيضاً «وقد بعثت قيادات عربية أخرى تقول لي أنه ما لم تنته عملية تأميم قناة السويس بهزيمة واضحة لجمال عبد الناصر فإن شعوب العالم جمعيها سوف تتبعه، ويومها على بريطانيا وعلى مصالحها وأصدقائها السلام».

وتشير مذكرات إيدن إلى أنه كان مصمماً على أن «عبد الناصر هو هتلر، وأن تأميم قناة السويس أشبه باحتلال الراين الألماني، وأن أفكار القومية العربية هي بنفسها مخططات الرايخ الثالث، وأن جماهير العرب الزاحفة تبحث عن مستقبلها هم جنود العاصفة الألمان بخطوات الأوزة يطرقون الأرض في عواصم أوروبا التي سقطت تحت أقدامهم بلداً بعد بلد».

وتروي المذكرات كيف أن إيدن كان أسيراً لعقدة تتمثل في عدائه المرضي ضد الجيش المصري، حيث يؤكد مراراً وتكراراً أنه «لابد من ضرب هذا الجيش وتحطيم سلاحه».



المصدر

كتاب «الحكام العرب في مذكرات زعماء وقادة ورجال مخابرات العالم». مجدي كامل.

0
0
0
0
0
0
0