يحتل حي بولاق أبو العلا أهمية كبيرة بين أحياء القاهرة، إذ يحوي عدداً من المؤسسات المهمة أبرزها مبنى ماسبيرو ووزارة الخارجية وبعض المؤسسات الصحفية، فضلاً عن مساجد أثرية. عباس الطرابيلي روى تاريخ هذا الحي في كتابه «أحياء القاهرة المحروسة».

طرح النيل

لم تكن بولاق في يوم من الأيام جزءً من القاهرة، بل حتى لم تكن ضاحية لها، فقد نشأت عواصم مصر (الفسطاط والعسكر والقطائع والقاهرة) بعيداً عنها.

واختلف الناس في معنى بولاق.. البعض قال إن أصل الكلمة هو «بو» أي الجميلة بالفرنسية، و«لاك» أي بحيرة، أي أن معنى الكلمة «البحيرة الجميلة»، ثم تحرفت من «بولاك» إلى «بولاق». ولكن لا يوجد ما يؤكد هذه التسمية أو هذا المعنى لأن بولاق كانت موجودة قبل الحملة الفرنسية، وكانت الجزيرة المقابلة لها في عرض النيل – وهي جزيرة الزمالك الآن – يطلق عليها اسم جزيرة بولاق.

وتتحدث كتب التاريخ عن «الطرح السابع» للنيل الذي حدث عام 1771 وتركز عند بولاق، وكيف كسبت القاهرة زيادة كبيرة في مساحتها بفعل هذا الطرح، ثم أنشأ علي بك الكبير عمارة كبيرة على ساحل النيل في تلك الأرض، وكان كان الأهالي يلقون الأتربة وبقايا البيوت بجوار الساحل فطمى النيل عليها، وبذلك تكونت الأراضي التي قامت عليها في عصر محمد علي دار المطبعة الأميرية والورش الحكومية ومصلحة الوابورات أي «الترسانة».

وأصبح الساحل الجديد عند بولاق ملتقى لتجار القمح والزيت والسكر، وكانت المنطقة تزخر بالمدارس والمساجد والدور، وتؤم الشاطئ المراكب الشراعية المحملة بالبضائع القادمة من شمال مصر. وهكذا تحول الحيز الواقع بين القاهرة وبولاق من أرض تغمرها مياه الفيضان إلى حي شعبي على ضفاف شاطئ النيل.

عصر الباشا

ورغم أن الاهتمام ببولاق بدأ منذ الحملة الفرنسية على مصر عندما شق «ألو بير» كبير مهندسي الحملة طريقاً مستقيماً من الأزبكية إلى بولاق، إلا أن العصر الذهبي للضاحية بدأ مع عصر محمد علي باشا، عندما أمر باستكمال شق الطريق بين القاهرة وبولاق، وكان له فعل السحر في تعمير بولاق، فأنشأ الباشا هناك داراً لصناعة السفن مع بدء الإعداد لإرسال حملة الوهابية وضرورة إنشاء أسطول قوي لمصر في البحر الأحمر.

وكان ذلك كفيلاً بتحويل بولاق إلى منطقة صناعية ضخمة ضمت مسابك الحديد ومصانع الأقمشة وورش النجارة والحدادة، كما أنشئت بها أول دار للطباعة في الشرق وبجوارها مصنع للورق ليمد المطبعة بما تحتاجه، وأنشأ مسبك لسبك الحروف العربية اللازمة للمطبعة، إضافة إلى مساكن للمهندسين ومدرسة صناعية كبيرة.

الحملة الفرنسية

ولأهالي الحي تاريخ نضالي ضد الحملة الفرنسية، فرغم أنهم لم يساهموا مساهمة ظاهرة في ثورة القاهرة الأولى في أكتوبر 1798، إلا أنهم أول من فجروا ثورة القاهرة الثانية في 20 مارس 1800، بل وقادوها.

كانت معركة عين شمس قائمة بين الجيش الفرنسي بقيادة كليبر والقوات العثمانية التي جاءت لإخراج الحملة الفرنسية من مصر، ولم يكد سكان العاصمة يسمعون قصف المدافع في ميدان المعركة حتى بدأت الثورة في حي بولاق بقيادة مصطفى البشتيلي.

هيأ الأهالي سيوفهم وبنادقهم وأسلحتهم ورماحهم، ونهبوا مخازن الغلال الفرنسية، واتجهوا صوب قلعة «كامان» التي أقامها الفرنسيون عند قنطرة الليمون (كوبري الليمون الآن) لاقتحامها والاستيلاء على ما بها من أسلحة، ولكن حامية القلعة ردت هجومها.

وعندما عاد كليبر يوم 27 مارس بعد أن هزم القوات العثمانية في عين شمس والمطرية، وجد نار الثورة تضطرم في أحيائها، وشاهد في بولاق ومصر القديمة حصوناً أقامها الثوار للدفاع، ووجد جميع الوكالات والمخازن التي على النيل تحولت إلى شبه قلاع احتلها الثوار، وصارت الملاحة تحت رمتهم، فقرر أن يستولى عنوة على الحي ويخمد الثورة بكل ما لديه من قوة.

ولم يكتف الفرنسيون بما حل ببولاق من خراب وتدمير، بل فرضوا على أهلها غرامة جسيمة بلغت 200 ألف ريال، وأخرى على متاجرها تجبى من السلع والبن والزيت والحبال والتيل والقطران والنحاس والحديد والرصاص، وفرضوا على الأهالي أن يسلموا ما عندهم من المدافع والذخائر الموجودة في ترسانة بولاق، وما لديهم من أخشاب وغلال وشعير وأرو وعدس وفول.

قبض الفرنسيون على الحاج مصطفى البشتيلي قائد الثورة وحبسوه في القلعة، ثم أشاعوا بين أهل بولاق أن البشتيلي سبب ما حل بهم من دمار وغرامات وحرائق وضياع أموال، ثم دفعوا بقائد الثورة إلى الأهالي وإلى أتباعه، وطلبوا منهم أن يقتلوه فأخذ الأهالي يضربونه بالعصي والنبابيت حتى مات من الضرب، وهكذا راح ضحية الخبث الفرنسي فمات بأيدي قواته وأهله.

بارات وعمائر

حمل الشارع الممتد من حديقة الأزبكية منذ بداية عصره اسم شارع بولاق، ثم حمل اسم شارع فؤاد الأول، إلى أن تغير مع ثورة 23 يوليو ليحمل اسم شارع 26 يوليو، أي اليوم الذي عُزل فيه الملك فؤاد بن فؤاد.

وعلى جانبي هذا الشارع بينت عمارات ضخمة منها تلك التي أقامها الموسيقار محمد عبد الوهاب مكان بار «سان جيمس»، الذي كان يجلس فيه الشاعر أحمد شوقي، وعمارة شيكوريل التي قامت مكان محل «بار صولت» الحلواني الذي كان ملتقى كبار الأدباء والشعراء والمثقفين والصحفيين، يتقدمهم أحمد شوقي الذي كان مكانه المفضل بين العاشرة مساءً والواحدة صباحاً، وحوله يتجمع الشيخ عبد العزيز البشري ومحمود فهمي النقراشي وامين الرافعي رئيس تحرير جريدة الأخبار «القديمة» وسليمان فوزي صاحب جريدة «الكشكول» وصالح البهنساوي الصحفي الشهير في «الأهرام».

وفي محاذاة محل «صولت» الذي كان مصدراً للأخبار الصحفية، كان يقع بار المحروسة الذي كان يجلس عليه الوجهاء من آل يكن وآل المانسترلي وغيرهم، وفي مواجهته كان يقوم بار «بطرسبروج» ثم مقهى بور فؤاد حيث يجلس رواده على الأرصفة.

بقي الإشارة إلى أن بولاق يضم ثلاثة مساجد أثرية، أشهرها مسجد السلطان أبو العلا وبني عام 1485، وأكبرها مسجد سنان باشا وبني عام 1571، وأقدمها مسجد زين الدين يحيى وبني عام 1448.



المصدر

كتاب «أحياء مصر المحروسة». عباس الطرابيلي.

0
0
0
0
0
0
0