شهد العصر الأموي أحداثاً سياسية عدة، انعكست بدورها على الحياة الفكرية والدينية آنذاك، وهذا ما بلورته المناظرات التي كانت حقلاً خصباً لاستعراض أفكار هذه المرحلة.

أحداث سياسية

لعل الوجه السياسي، بشقيه الداخلي والخارجي، أوَّل هذه الأوجه التي كان لها شأن عظيم في تطور مسيرة هذا الأدب، فعلى مستوى السياسة الداخلية؛ كان معاوية بن أبي سفيان قد شرع في إرساء الملكية الأموية، حيث تنازل الحسن بن علي لمعاوية عن الخلافة؛ حقناً لدماء المسلمين، على أن يوليه معاوية الخلافة من بعده، لكن معاوية أراد أن يستخلف ابنه يزيد رغم العهد الذي أبرمه مع الحسن، وكان لهذا القرار صدى واسع في أدب المناظرة، ودارت مسائل كثير من المناظرات حول «تقييم المواقف السياسية» بين علي بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان.

أما على المستوى الخارجي فقد امتدت الغزوات، واتسعت رقعة الخلافة الإسلامية شرقاً وغربا. إضافة إلى هذا حركة الاحتكاك الحضاري والاتصال بالأمم الأجنبية، إذ أخذت سيولٌ من الثقافات الأجنبية التي كانت متجذرة في العراق والشام ومصر تنحدر إلى مجرى النهر العربي وتُحدِثُ تطوراً في حياة العرب العقلية، ومن ثم جنى العربي الأموي ثمرة الحياة العقلية هذه الحضارات والأمم. وكان هذا المناخ من مقومات ودعائم أدب المناظرة في زمن بنى أمية.

المناظرات الدينية

وعلى المستوى العقدي، ظهرت الفرق الإسلامية من مرجئة وقدرية وجبرية ومعتزلة وخوارج وشيعة، واعتنقت كل فرقة من هذه الفرق جملة من الأفكار، واشتدت بينها المناقشات والمناظرات.

وأسهم هذا المناخ الفكري في الحياة الأدبية آنذاك بإبداع «النقائض» أو «فنَّ المناظرة الأدبية»، فالنقائض التي اشتهرت في تاريخ الشعر الأموي ليست إلا مناظرات بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وهى أدب أموي غذَّته وطوَّرته هذه البيئة الجدلية «بيئة العراق» وما انبثَّ فيها من طرق حوار واستدلال في كل شي.

وهذا الحوار والاستدلال لم يلبث أن اتصل به الشعراء مثل الفرزدق وجرير، فألَّفا في ضوئه هذه النقائض، وسرعان ما أقبل الأخطل ليشاركهما هذا الحوار.

كما خلق هذا المناخ الفكري ذاته نموذجاً جدلياً جديراً بأن يكون من خصوصيات ذلك العصر، إذ أبدع الكميت بن زيد الأسدي جدلية نموذجية في الأدب العربي، فأخرج ديواناً كاملاً في عقيدة الشيعة الزيدية دافع فيه عن حق الهاشميين بحجج وبراهين واستدلالات، وإن ساق كل هذا شعراً في ديوانه المعروف بـ«هاشميات الكميت».

وكان كل ذلك نتاجاً طبيعياً للمناخ الفكري الجديد الذي أصاب العقلية العربية آنذاك، وكل هذا جعل العصر الأموي أرضاً خصبة تتفاعل فيها الأفكار عبر فن المناظرة.

المناظرات السياسية

انطوت صفحة الخلافة الراشدة بالفتنة الأولى في الإسلام متمثلة في مقتل الخليفة عثمان بن عفَّان، وما تلاها من أحداث سياسية اتخذت من «مسألة الإمامة» موضوعا لها، وانحصرت هذه المسألة بين علي بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان، وانتهت بانشقاق وخروج فرقة من جيش علي عليه، ومنها نشأت فرقة الخوارج إثر «التحكيم» الذي لجأ إليه معاوية، وتعقَّدت الأمور، وقُتل علىٌّ وتولى معاوية أمر الخلافة، وبدأ عهد جديد.

وفى مناخ كهذا، لم تكن الحياة السياسية في دولة بنى أمية لتتسم بالهدوء، إذ دعمت جموع الجماهير آنذاك حق علي بن أبى طالب في تولى الخلافة، فقد كانت كل الأقطار العربية الإسلامية وقتها على يقين بأن معاوية أخذ الخلافة بدون وجه حق، اللهم إلا أنصاره من أهل الشام.

وعلى هذا فقد اشتعل فتيل الحياة السياسية زمن الأمويين، وأصبحت شائكة للغاية، وغدت معها مسألة تقييم المواقف السياسية شأناً عاماً آنذاك، وكثرت الآراء السياسية وانقسمت بين مؤيد لأحقية الحزب الأموي ومعارضٍ لوجوده مُقرٍ ببطلانه، وبين هذا وذاك نشأت المناظرة السياسية واتَّسعت رقعتها ووصلت إلى بلاط معاوية نفسه.

ولو كانت هناك ظروف سياسية تُعلى من شأن المناظرة لما وجدنا هناك مسألة كاستخلاف معاوية لابنه يزيد. كان «يزيد» يفتقر إلى القدرات والمواهب التي قد تؤهِّله لمنصب الخلافة المنذر بالخطر في هذه المرحلة بكل خلافاتها، اللهم إلا أنه كان ابناً للخليفة، كما أن معاوية حينما أخذ هذا القرار كان على وعد مع الحسن بن علي بعد تنازله له بأن يوليه الأمر من بعده، وفى قراره هذا ـ استخلافه يزيد ـ ثمة مخالفةٌ ونقضٌ للعهد الذي أعطاه للحسن.

وإذا أضفنا كل ما سبق إلى الواقع السياسي السيئ الذي أقرَّه يزيد بن معاوية في مرحلة توليه الخلافة في آل بيت النبي فإن المناظرة السياسية التي دارت بين الحسن بن علىٍّ ومعاوية في أوائل حُكمه حول «منزلة الإمام علي»، وفى آخر حكمه حول توريثه الخلافة لابنه يزيد، لم تكن لتجد ظروفاً أقوى من هذه لتسهم في نهضة المناظرة.

ولعل هذا النوع من المناظرات لم يحظَ بأهمية كبرى، ولم تتسع مساحته في عهد خليفة من خلفاء بنى أمية بقدر ما اتسعت زمن معاوية؛ نظراً للصعوبات التي واجهها، إذ كان يؤسس لدولة الأمويين، وقَبِلَ الشعب وقتذاك، أو قل اُضطر أن يتناسى أحقية العلويين أو غيرهم في الحكم؛ لأن الواقع السياسي فرض نفسه، فاستمد الأمويون قوة عروشهم من طول فترة حكمهم وتلقفهم أمر الخلافة وارثا عن وارث.

وقد سجل لنا التراث العربي كثيرًا من المناظرات السياسية عن هذه الحقبة، وقد تنوعت بين مسألة تقييم المواقف السياسية بين معاوية وبين علىِّ بن أبى طالب من جهة، وبين منزلة علىِّ بن أبى طالب من جهة أخرى، إذ دارت عدة مناظرات بين معاوية ومعه مؤيدوه، وبين أنصار علىٍّ من الرجال والنساء.



المصدر

كتاب «المناظرة والحجاج». الدكتور مصطفى سليم.

0
0
0
0
0
0
0