مع مرور السنوات تختلف جغرافيا المكان باختلاف الظروف التاريخية، فكم من أمكنة مهمشة أصبحت معقلاً للأثرياء وعلية القوم، وهذا ما ينطبق على حي الزمالك الذي كان عبارة عن أكواخ تُمارس فيها الأعمال المنافية للآداب ثم أصبح قبلة للأرستقراطيين. عباس الطرابيلي روى قصة الحي في كتابه «شوارع لها تاريخ».

كانت الأزبكية هي منطقة السكن المفضلة للأمراء وبكوات المماليك على مدى 600 عام حتى الحملة الفرنسية عام 1798، واستمرت كذلك في بدايات عصر محمد علي الذي أنشأ لابنته زينب فيها قصراً عُرف باسم «قصر الأزبكية».

وإذا كانت جاردن سيتي قد أصبحت مقراً للباشاوات والبكوات بحكم قربها من مقر الحكم في عابدين وحي الوزارات والسفارات، فإن الزمالك أصبحت هي الحي المفضل للبرجوازية المصرية مع بدايات القرن العشرين.

الزمالك جزيرة المجون

والزمالك كلمة أعجمية معناها الأخصاص، وهي بيوت من الغاب والبرسيم، وظهرت أول ما ظهرت عام 1372 شمال جزيرة أروى في النيل وجزيرة حليمة، وسميت بالجزيرة الوسطى – وهو اسم ما زال موجوداً على أحد شوارع بالزمالك حتى الآن-، وأقبل الناس على سكناها بعد أن بنوا الأخصاص وزرعوا حولها الزهور والبطيخ والشمام والقتاء. وأقبل عليها أرباب الخلاعة كما كانوا يقولون قديما. ولما زادت تلك الأعمال أمر السلطان الكامل شعبان بن قلاوون بحرق هذه الأخصاص.

واتصلت الجزيرتان، أروى وحليمة وأصبحتا جزيرة واحدة أطلق عليها الفرنسيون عند دخولهم مصر اسم جزيرة بولاق أو جزيرة القرطية، وهي ما نعرفه الآن باسم جزيرة الزمالك.

قصر الجزيرة

وبلا شك كان للخديوي إسماعيل فضل في تحول الأرستقراطيين والأثرياء للإقامة في جزيرة الزمالك، بعد أن أنشأ فيها قصر الجزيرة الذي شهد احتفالات فتح قناة السويس في نوفمبر 1869، وهو القصر الذي اشترته أسرة «لطف الله» وأصبح فندقاً باسم «عمر الخيام»، ثم أصبح أحد أكبر فنادق القاهرة هو فندق ماريوت.

وساعد على سرعة تعمير الزمالك والإقامة فيها ربطها بعدد من الكباري في عهد الخديوي إسماعيل أيضاً، مثل كوبري قصر النيل 1869، وكوبري الجلاء 1872. وزادت عملية التعمير بإنشاء كوبري بولاق أبو العلا عام 1912 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، ثم كوبري الزمالك الذي كان امتداداً له وفُتح للمرور مع كوبري بولاق في نفس العام. وكان قد بُدئ في إنشائهما عام 1908 وتكلف كوبري بولاق 300 ألف جنيه بينما تكلف بناء كوبري الزمالك 75 ألفاً فقط.

صورة من حي الزمالك

الإمبراطورة أوجيني في الزمالك

وكانت الزمالك  قبل عصر إسماعيل مجرد مكان يلجأ إليه الشباب لقضاء أوقات طيبة لطيب هوائها. وهي التي بدأت كمكان لإقامة أخصاص من البوص للهو والغناء والطرب، إلى أن جاء الخديوي إسماعيل فأقام فيها واحداً من أكبر قصوره هو قصر الجزيرة أو سراي الجزيرة على مساحة 60 فداناً وتكلف بنائه 898691 جنيهاً، وأتى بالمهندسين من فرنسا وإيطاليا لإنشائه وتزيين حدائقه. وفيه أقامت الإمبراطورة أوجيني إمبراطورة فرنسا خلال حضورها احتفالات فتح قناة السويس.

ولم تصبح الزمالك جزيرة بالمعنى الصحيح إلا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، فحتى عام 1873 لم يكن الفرع الغربي للنيل موجوداً على الدوام بل كان يمتلئ أثناء الفيضان ثم يغطي بالطمي ويجف ولذلك سمي البحر الأعمى. فالبحر إذا نفد منه الماء كان كالعين إذا فقدت الإبصار، ثم حُفر بعد ذلك وأقيم عليه كوبري البحر الأعمى عام 1877، ثم أنشئ الكوبري الحالي عام 1914 ليكمل محور كوبري قصر النيل.

وفي عصر إسماعيل عندما أقام سراي الجزيرة، أقام أيضاً معسكراً لجنود الحراسة على شكل خيام من طراز الزملك، أي أن كل أرض الزمالك قبل حفر البحر الأعمى كانت أرضاً متصلة بالعجوزة وإمبابة، كما جاء في كتاب «تقويم النيل» لمؤلفه أمين باشا سامي.

استراحة فاروق

وانتعشت جزيرة الزمالك بعد ذلك بإنشاء عدد من الحدائق كالأندلس والزهرية والحرية، واقيم أمام كوبري قصر النيل المعرض الصناعي لأول مرة عام 1938، فزاد من تعمير الجزيرة وأقامت فيها وزارة المعارف أول حمام مغطى للسباحة مع إنشاء النادي الأهلي.

وقد أقام الملك فاروق استراحة له عند رأس الجزيرة الجنوبي هي استراحة فاروق التي أصبحت مقراً لمجلس قيادة الثورة، ثم جاء بناء برج القاهرة ليصبح أكبر معلم من معالم جزيرة الزمالك.

وتتركز في منطقة الزمالك عدد من السفارات كسفارات إثيوبيا والبرازيل وِألمانيا وهولندا وكولومبيا وتونس ولبنان، كما أنها مقر لثلاث كليات شهيرة من كليات جامعة حلوان هي كلية التربية الفنية، وكلية التربية الموسيقية وكلية الفنون الجميلة.

وتتخذ العديد من المنظمات الأهلية غير الرسمية والدولية من منطقة الزمالك مقرًا لها، كما يوجد بها ساقية عبد المنعم الصاوي الشهيرة بالعروض والفعاليات الثقافية والفنية. ويعتبر شارع أبو الفدا المطل على نهر النيل متنزهاً غير رسمي للناس.

حي الزمالك ليلاً


 



المصدر

كتاب «شوارع لها تاريخ». عباس الطرابيلي.

0
0
0
0
0
0
0