كتب- أميرة موسى:

وصل المصري مختار شحاتة قبل عامين للبرازيل مهاجرا، بدأ يستكشف عوالم المكان ويدرس تاريخ الشعوب الأصيلة في منحة جامعية.

بدأ حياته من محافظة كفر الشيخ مدرسًا ثم باحثًا، وكاتبًا، صدرت له عدة روايات وكتب وقصص قصيرة، منها «تغريبة بني صابر» وكتاب «العاصمة السرية».

مؤخرا حصل شحاتة على جائزة ابن بطوطة الأدبية عن مخطوطة «يوميات مصري في بلاد السامبا».

وجائزة ابن بطوطة تُمنح سنويا منذ عام 2003 للأعمال المحققة والمكتوبة في أدب الرحلة.

يحكي لنا في هذا الحوار عبر الإنترنت، عن البرازيل، والتفاصيل التي شكلت رحلته الإنسانية.

لست رحالة، فما هي قصة سفرك إلى البرازيل؟

تركت مصر بعد انفصالي عن زوجتي، كنت أبحث عن ملاذ من الضغط النفسي الشديد وقتها. البرازيل كانت الفرصة الوحيدة التي سمحت لي بدراسة ماجستير في التاريخ كما أردت، ثقافة البلد والتباين بين شعوبها أخذتني من نفسي.

تغيرت الصورة الذهنية لها في مخيلتي. كنت أفكر فيها كدولة نامية، لم أكن أتصور وعي الناس السياسي والاجتماعي المرتفع، ومستوى الخدمات والتعليم الرائع.

أعجبت بمحاولاتهم المستمرة لقبول اختلافات بعضهم، سافرت إلى العديد من مناطق البرازيل ومدنها. شعرت في بعضها بأنني داخل جنة الله على الأرض.

متى قررت البدء في هذا الكتاب؟

البداية كانت مع دعوة لنشر مقال صحفي أسبوعي عن مشاهداتي للمجتمع هنا كسائح أو مثقف عربي، وعن تجربة العيش الخاصة بي، وبالفعل هذا ما حدث.

لاحقًا وبعد نشر تسعة مقالات، أحد الأصدقاء اقترح علي جمعها في كتاب، ثم أعدت صياغتها.

قسمت الكتاب إلى ثلاثة فصول. الأول عن مرحلة ما قبل السفر إلى البرازيل. الثاني عن يومياتي، وهو جزء شخصي جدًا، والثالث عن الثقافة بكل ما تحويه الكلمة من معنى. أنهيت مراجعته بعد حوالي 10 شهور من العمل.

ماذا يعني لك الفوز، وكيف ترى نفسك في عالم الجوائز؟

المفاجأة أنني لم أتقدم لهذه الجائزة، حصل صديقي على نسخة من الكتاب، وقدمها هو باسمي، بعد ما فشل في إقناعي بفعل ذلك.

قررت أن أنسى الأمر، بدأت أبحث عن وسيلة تواصل مع الهيئة العامة للكتاب مصر، تمهيدًا للنشر، إلى أن جاء خبر الفوز.

الجوائز عادة ما تخضع لمعايير أخرى بخلاف جودة العمل، منها «الشلالية»، وهذا أبعد ما يكون عني. وأتمنى لو أن الكتب يتم اختيارها من لجان الهيئات المكرمة نفسها، لا أن يتقدم الكتاب بمشاريعهم للفوز.

أظن أن أسلوب السرد المعتمد على كتابة الحياة، هو ما ميز الكتاب، لأنها نوع جديد، اُعتمد في 2015.

حياتك في مصر كانت موزعة بين أقاليمها، كيف تؤثر تجارب التنقل هذه في نصوصك المختلفة؟

نشأت في كفر الشيخ، حيث ولدت، جامعتي كانت في طنطا. ظللت فترة بالقاهرة ثم تزوجت في الإسكندرية، بشكل شخصي أنا أحب الكتابة عن الأماكن والناس الجديدة.

كتبت عن برلين وأفغانستان، والسويد وبلدان أخرى، قبل زيارتها. استلهم رؤيتي في الكتابة مما أشاهده، من الصور والقراءات.

تعجبني فكرة نسخ الكتابة الثلاث عن نفس المكان. الأولى قبل رؤيته. اعتمد فيها على خيالي. الثانية بعد أن أزوره. والثالثة بإعادة قراءة وتقييم لحالة الاختلاف بين الصورة الذهنية الأولى والواقع في الثانية، وإضافة أشياء جديدة.

الكتّاب في العادي يستثمرون المكان لخدمتهم، أما أنا فأرى أن الإنسان يجب أن يسخر نفسه لخدمة المكان.

تقول دائمًا أنك تنتمي لمجتمع الهامش، فلماذا تكتب عن المدن الكبيرة؟

الهامش هو المكسب الحقيقي، لولا الهامش ما كانت المدن، أنا أمزج بين الكتابة عن المدن الكبيرة وبين مثيلتها المهمشة، على سبيل المثال في روايتي «عصافرة قبلي» أتى ذكر برلين للمقارنة بينها وبين بطلها البسيط، قاطن حي العصافرة.

في "تغريبة بني صابر" عقدت مقاربة بين قرية في السويد وقرية منية المرشد بشمال الدلتا.

أعتقد أنني انتصرت دائمًا للأجزاء التي لا ينظر أحد لها حتى في النصوص التي أدونها، وهنا بينما يهتم الجميع لمدينة سلفادور الجديدة، يجذبني عالم المدينة القديمة نفسها، بكل ما فيها من عشوائية.

حدثني عن الحالة العاطفية والنفسية التي تلهمك؟

أنا شخص مجنون بالكتابة، أحب تجسيد نفسي في النص دائمًا، والعكس، بعبارة ثانية «عشان لما حد يقرأ، يقول هو دا مختار، وفي نفس اللحظة يقول لا دا مش مختار". من قرأ لي سيعرفني، ويستطيع أن يستنتج أفكاري، على سبيل المثال، الشخص الذي قرأ رواياتي السابقة كان سيفهم أن حياتي لن تستمر في مصر.

الكتابة هي الخيار رقم واحد في حياتي. تعبر عني بكل تناقضاتي. النصوص ترافقني في كل حالاتي. تترجم الكلمات ما أشعر به وأفكر فيه، «أنا للأسف دايما مكشوف في كتاباتي».

لماذا تأسف لوضوح حالاتك فيما تكتب؟

لأن الناس لا يفهمون معنى الكتابات هذه. يسيئون تفسير ما بها من عواطف. لا يدركون أنها طريقتي لكي أصرخ، وأعبر عن انفعالاتي.

يقرر من حولك عقابك لأن صوتك عاليًا، وليس حل المشكلة التي تتحدث عنها. حينما خُيرت بين الكتابة أو استكمال الزواج والأسرة، اخترت الأولى بكل سهولة، بمعايير المجتمع المصري أنا مجنون، أنا فقط شخص واحد.

ألا ترى إمكانية للجمع بينهما؟

الارتباط بكاتب أمر صعب، يصبح على المرأة أن تتفهم حق الكتابة على صاحبها، وهذا ليس سهلًا. لا ألوم زوجتي السابقة. المجتمع هو من ظلمنا جميعًا بنمط تربية أناني. لا يعترف سواه باحتياجات ورغبات الفرد. كلانا دفع الثمن، أنا وهي.

ما خططك القادمة؟

سأترك البرازيل بعد قبول طلب الهجرة الذي قدمته للولايات المتحدة الأمريكية. بالرغم من صعوبة الحياة بأمريكا، التي تحول الناس بها إلى تروس، لكنك تستطيع وأنت عامل في محطة وقود أن تتظاهر أمام البيت أبيض. بالإضافة إلى الهبوط الاقتصادي الذي تشهده البرازيل. لا أريد أن استقر في مكان يهدد حياتي، ويدفعني للرحيل والألم مرة أخرى.



0
0
0
0
0
0
0