يزينون رقابهم بأسنان الكلاب ويغطون أجسادهم بجلود الحيوانات.. حال قبائل السودان قبل 200 عام

في عام 1840 سافر المهندس الألماني فرديناند ڨرن إلى السودان، وهناك التحق بخدمة حكومة محمد علي، فرافق البعثات الاستكشافية التي هدفت إلى الوصول لمنابع النيل، ما أتاح له التعرف على أحوال السودان عن قرب، فسجلها في ثلاثة مؤلفات باللغة الألمانية. الأول هو «حملة من سنار إلى تاكا»، والثاني «السفر من خلال سنار والمندرة وجيلي»، والثالث «رحلة لاكتشاف مصادر النيل الأبيض».

عادات الشلك والدينكا والباري

 جال ڨرن بين القبائل السودانية، لكن ما لفت انتباهه أكثر هو عادات وتقاليد قبائل الشلك والدينكا التي تسكن في الجزء الجنوبي من السودان، فهم لا يملكون خيولاً أو إبلاً، وإنما يملكون فقط البقر والضأن، وعندما يستولون على حصان أو إبل من أعدائهم لا يقتلونها، وإنما يفقأون عيونها كعقاب لها لأنه أوصلت الأعداء إلى بلادهم.

تطرق المهندس الإنجليزي في مشاهداته إلى عداء الشلك التقليدي لجيرانهم من قبائل البقارة العربية، فيقول «إن كراهية هؤلاء الزنوج لهؤلاء العرب لا حد لها، ففي حالة وقوع أحد البقارة أسيراً في أيديهم، فإنهم يضربونه ضرباً مبرحاً بالنبابيت (العصيان) حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة، وذلك لأن القتل بالحربة في عرفهم شرف كبير لا ينبغي أن يحظى به الأسير من هؤلاء البقارة».

وحظيت قبائل الباري التي تسكن في أعالي النيل أيضا باهتمام ڨرن، فأفرادها يتجملون بوضع عقود من أسنان الكلاب والقرود حول الرقبة للزينة، وكتعاويذ تقيهم الأرواح الشريرة، لكن ما لفت نظره أكثر حرص الرجل الباري على أن يضع جلد الحيوان المفترس الذي اصطاده على جسمه ليس كغطاء لبدنه، وإنما دليل على شجاعته، وكذكرى لانتصاره وتغلبه على الشدائد التي واجهته في حياته.

كذلك اعتاد البعض وضع ناب الخنزير الذي يكون قد قتله بيده فوق عصاه، أما البعض الآخر ممن لم يقدر له قتل هذا الحيوان فكان يكتفي بوضع شكل أو نموذج لهذا الناب من العاج حول ذراعه.

ولكن في أغلب الأحيان كانت «النبابيت» التي يستعملها هؤلاء القوم مزينة أطرفها العليا بما يشبه قرون الثور الصغيرة ومغطاة بقطعة من فروة، كنوع من التقدير لهذا الحيوان الذي يرون فيه من ضروب الشجاعة والإخصاب ما لا يتوافر في الحيوانات المستأنسة الأخرى.

ولم يفت ڨرن الحديث عن معتقدات الباري الدينية، «إنهم لا يعتقدون بوجود إله للثواب والعقاب، كما أنهم لا يعبدون الأصنام، أو الكواكب كالشمس والقمر، فهذان الكوكبان لا يثيران في نفوسهم أفكاراً أو تأملات غير عادية. بيد أنهم تأثروا بالسماء وقدرّوها، إذ نظروا إليها على أنها مصدر الأمطار التي تروي حقولهم وتزيد من اتساع مجرى النهر الذي يجري في بلادهم، وتملأ بحيرات السمك بالماء».

الشايقية وتقاليد القتال

وقبل ڨرن حلّ على السودان رحالة كُثر، مثل الإنجليزي جورج وادنجتون الذي زار السودان مع صديقه برنادر هنبري (1820 – 1821)، وتزامن ذلك مع بدء حملة إسماعيل بن محمد علي باشا إلى السودان، فرافقاها من الأراضي المصرية باعتبار أن ذلك سيتيح لهما فرصة أكبر للتجول في عدد من الأقاليم.

سجل وادنجتون وهنبري مشاهداتهما ودراساتهما المختلفة في هذه الأقاليم، ونشره وادنجتون في كتاب نُشر في لندن عام 1822 تحت عنوان «مجلة زيارة من لندن إلى أجزاء من إثيوبيا عام 1823».

ولم يهتم الرحالة الإنجليزي وصديقه بشيء قدر اهتمامهما بالنزعة القتالية غير العادية لأهالي إقليم الشايقية في الشمال السوداني، فمن واقع مشاهدته لقتالهم ضد حملة إسماعيل بن محمد علي في السودان ذكر، «إن الشايقية لا يتهيبون الهجوم على أعدائهم على نحو يدعو إلى الدهشة فهم يسارعون لمنازلة عدوهم وجها لوجه بروح من الاستخفاف وعدم المبالاة، وبقلب منشرح كأنهم ذاهبون إلى احتفال أو مهرجان، أو تحت تأثير الإحساس بالسرور كأنهم قادمون على ملاقاة أصدقاء قدامى افترقوا عنهم منذ أمد طويل».

وذكر تقاليدهم في الحرب بقوله «وعند النزول إلى أرض المعركة يعطون تحية السلام عليكم: سلام الموت التي يعقبها على الفور أن يقبض كل واحد على رمحه ويوجه به طعنات قاتلة، ويستقبل أخرى مع كلمات الحب التي تخرج من الشفاه».

وبحسب وادنجتون، فإن هذا الازدراء بالحياة والاستخفاف بأكثر الأمور فزعا، إنما هي اعتبارات خاصة بهم، «فهم الشعب الوحيد الذي ينظر إلى الأسلحة وكأنها أدوات لهو ولعب، وإلى الحرب وكأنها لون من ألوان الرياضة، لا ينشدون من رائها سوى مجرد التسلية. ولا يخشون في الموت شيئا، بل يجدون فيه الراحة».

أكثر من ذلك، أن «نساء الشايقية يشاركن الرجال في الحرب بروح عالية، بل إن إشارة البدء بالهجوم عندهم تعطيها فتاة عذراء تلبس لباساً فاخراً وتمتطي هجيناً، ويحافظ الجميع على عفتها وطهرها بما في ذلك الأعداء». والإشارة التي تعطيها الفتاة ببدء الهجوم هي «ليللي – لليلي – لولو» وتكرر باستمرار وهذه الألفاظ ذاتها يعبر بها النساء عادة عن شعورهن بالبهجة والسرور في الولائم والأفراح.

ومهما يكن من أمر فقد عجز إسماعيل بعد السيطرة على الشايقية من القضاء على نزعتهم الحربية، وذلك بعد محاولات يائسة قام بها لتحويلهم من شعب محارب إلى شعب مزارع يفلح الأرض، وأخيراً رأى هذا القائد وبعد أن أذهلته شجاعتهم النادرة في محاربة قواته، أنه من الحكمة أن يستغل هذه النزعة في خدمة أغراضه العسكرية لإتمام فتح السودان، فألحق الكثيرين من فرسانهم بجيش الحملة.

المصدر

  • كتاب «الرحالة الأجانب في السودان. 1730/1851». الدكتور مقار نسيم.

محمد أحمد

صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية