خدعوهم بالويسكي حتى أبادوهم.. هكذا قامت إمبراطورية أمريكا على جثث الهنود الحمر

«الدم» كان الأساس الذي بنى عليه المستوطنون الأوربيون دولتهم في أمريكا الشمالية، فأبادوا سكانها الأصليين من الهنود الحمر، واستولوا على أراضيهم وكنوزها. الدكتور رأفت غنيمي الشيخ روى القصة الكاملة في كتابه «أمريكا والعالم في التاريخ الحديث والمعاصر».

البداية كانت من الاتجاه غربا

في البداية استقر المستوطنون الأوائل في شرقي أمريكا الشمالية، وعندما أرادوا التوسع غربا اصطدموا بسهول مرتفعة ذات مناخ جاف تنتهي في الغرب بجبال «روكي»، مما أخر الاتجاه غربا لمدة طويلة.

ومع ذلك زحف عدد كبير من المغامرين باتجاه الغرب نحو الجبال المطلة على المحيط الهادي، سعيا وراء الذهب وبعض المعادن الأخرى قبل الاستيلاء على سهول الغرب الكبيرة من الهنود الحمر بعشرات السنين، ولم ينته القرن التاسع عشر حتى كانت تلك السهول قد استولى عليها المستوطنون الأمريكيون وانتشر فيها رعاة الماشية وزاد السكان بدرجة كبيرة نتيجة مد خطوط السكك الحديدية، كما زادت المزارع التي تعتمد على الري من الأنهار.

المشروبات الروحية سلاح الأمريكان

وكان توسع الولايات المتحدة غربا على حساب الهنود الحمر الذين كانوا من الضعف بحيث لم يكونوا عقبة قوية في سبيل هذا التوسع. ورغم ضراوة الهنود إذا استثيروا فقد كانوا أشبه بالرذاذ أمام الموجات الكبيرة من الهجرة وأمام التحرك القوي في اتجاه الشمال والغرب، وكانوا عاجزين أمام نيران البنادق والمشروبات الروحية وغيرها من أسلحة الحضارة آنذاك.

ولم يكن عدد الهنود الحمر إلى الشرق من نهر المسيسيبي أوائل القرن السابع عشر يتجاوز 200 ألف نسمة، وكان عددهم في أمريكا الشمالية فيما يعرف الآن بالولايات المتحدة،  حوالي نصف مليون نسمة سلاحهم القوس والسهم وفأس الحرب.

ولم يمتلك الهنود الحمر وقتئذ مقدرة على إخضاع الطبيعة باستغلال مواردها، بل كانوا يعيشون على صيد البر والبحر، وكانت مواردهم غير ثابتة، وإن كانوا يتصفون بالشجاعة بصورة مذهلة، فلا يتراجع المقاتل منهم عن أن يواجه رصاص البنادق، وطلقات المدافع بصدره العاري ورمحه القصير.

ثمن أمريكا: 20 ألف دولار وبطاطين 

بدأ الصدام بين الولايات المتحدة وبين الهنود الحمر منذ الاستقلال حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية لفترة غير قصيرة، إذ ثار جماعة من شباب القبائل الهندية على زعمائهم الذين عقدوا اتفاقيات مع حكومة الولايات المتحدة وهم واقعون تحت تأثير الخمر وذلك أثناء حكم الرئيس الأمريكي الاول جورج واشنطن (1789 – 17979).

وأخذ هؤلاء الشباب يغيرون على الأراضي التي نصت تلك الاتفاقيات على أنها من نصيب المهاجرين دون غيرهم، وبناء على ذلك كلف الرئيس الأمريكي جنوده عام 1790 بتأديب الهنود.

توالت حملات القوات الأمريكية ضد الهنود الحمر دون أن تستطيع إحراز انتصارات حاسمة حتى عام 1794، عندما عقد زعماء الهنود اتفاقية مع حكومة الولايات المتحدة تنازلوا بموجبها عن منطقة شاسعة من الأراضي التي كان مسموحا لهم بالعيش والصيد عليها، وكان ذلك التنازل في مقابل عشرين ألف دولار وكمية من الهدايا من بينها عدد من البطاطين والبنادق والبارود والفؤوس والزجاج الملون والمرايا، إضافة إلى عدد لا بأس به من صناديق الخمر.


مشروع إزاحة الهنود

وخلال فترة رئاسة الرئيس الأمريكي الخامس جيمس منرو (1817 – 1825)، ظهر مشروع يهدف إلى إزاحة بعض قبائل الهنود الحمر التي تقيم إلى الشرق من نهر المسيسيبي والبالغ عددهم حوالي 80 ألف نسمة إلى الغرب عبر النهر الكبير، ما استلزم إقناع هؤلاء الهنود بالتنازل عن حقوقهم التي حصلوا عليها بموجب اتفاقيات سابقة، وإقناع المقيمين غرب النهر بأن يفسحوا مكانا للهنود القادمين من الشرق.

ولكن الهنود الذين تعودوا على عدم الرضوخ أبداً لأية سيطرة غير سيادتهم أنفسهم أو لأية شروط تعارض استقلالهم صاروا هدفا للقوات الأمريكية الضاغطة، ومن ثم تمت عملية التهجير بالقوة وبإعطاء زعماء الهنود بعض البطاطين وصناديق الويسكي وبعض الأموال مقابل التنازل عن أرضهم.

وهاجم الجوع والمرض هؤلاء الهنود حيث مات كثير منهم، ولم يصل إلى الأرض التي اختيرت لهم سوى أعداد قليلة واجهت مجاعة بسبب فوات موعد الزراعة.


ميلشيات أمريكية لانتزاع الأرضي بالقوة

وفي عام 1864 وبينما الحرب الأهلية الأمريكية مشتعلة مع الولايات الجنوبية، طلبت الحكومة الأمريكية من الهنود النازلين في غرب المسيسبي التخلي عن أراضيهم التي حصلوا على موافقة سابقة من الحكومة بحيازتهم لها، ولما رفض الهنود التخلي عن تلك الأراضي هاجمت الميليشيات الأهلية الهنود وأوقعت بهم مذبحة كبرى في «ساند كريك».

ولا يخلو تاريخ الهنود الحمر من بطولات أمام الضغط الأمريكي، فيذكر التاريخ قصة ذلك الزعيم الهندي الذي عُرف باسم «الثور الصامد»، والذي أراد الانتقام لما حدث لبني جلدته، فجمع حوله كثيرا من الهنود بهدف العودة إلى الأراضي المغتصبة شرق نهر المسيسيبي.

وبالفعل عبر بهم النهر وأحرز انتصارا على أول قوة أمريكية تواجهه، ولكنه ما لبث أن لقي الهزائم على يد القوات الأمريكية حتى وقع أسيرا في أيدي الأمريكيين فقيدوه بالسلاسل وطافوا به شوارع المدينة.

ومنذ ذلك الحين انتهى الهنود الحمر كقوة تقف أمام التوسع الامريكي، وصاروا عبارة عن أعداد قليلة يدمنون الخمر ويمدون أيديهم إلى الناس بالسؤال أو يُعرضون على الزوار والسياح كما تعرض الآثار في المتاحف، أو يُستخدمون في المشاهد التمثيلية بالسينما الأمريكية كصورة للتخلف والوحشية في مواجهة التقدم الأمريكي والمدنية المزدهرة على أيدي الأمريكيين.

المصدر

  • كتاب «أمريكا والعالم في التاريخ الحديث والمعاصر». الدكتور رأفت غنيمي الشيخ.

محمد أحمد

صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية