محمد إبراهيم يكتب: الواقع المرير «PUBG»

مائة شخص ينزلون من طائرة، مهمتهم قتل بعضهم البعض، يتعاون كل خمسة أفراد منهم على قتل البقيَّة، بينما الـ«زون» من خلفهم وإذا لحقت بهم قتلتهم.

لعبة جديدة انتشرت انتشارا واسعا بين الشباب، ليس بها فن إلا تكرار الترصد والقتل، لكنها بالرغم من ذلك – أو لذلك السبب لا أعرف يقينا – انتشرت كل هذا الانتشار، سواء كان ذلك لأنها تساعدهم على إفراغ الطاقة السلبية أو تعكس العنف الذي يحمله البعض بداخله ولا يُعبر عنه.

أيضا هناك سلسلة أفلام هوليودية شهيرة تُسمى «التطهير»، حبكتها الدرامية مبنيَّة على تحديد النظام الأمريكي ليوم في السنة يتوقف فيه القانون عن العمل وتكون كل الجرائم مباحة، فينتشر القتل؛ ليقتل القوي الضعيف، ويعتبرونه عيد لتقليل عبء الإنسان على الأرض بتقليل العدد، وبمثابة انتخاب طبيعي يقوم به الإنسان بنفسه ليبقى الأقوياء ويرحل الضعفاء.

وإذا نظرنا مليَّا فجوهر اللعبة والفيلم واحد، وهو أمر متوافق مع واقعنا الحالي وعلى عدة مستويات.

**

«الرأسمالية القاتلة»

في النظام الرأسمالي كل صاحب رأس مال ينزل إلى السوق يكون هدفه الحصول على أعلى مكسب ممكن، وهذا قد يكون على حساب الجميع، على حساب أي صاحب مال آخر والذي قد يفعل أي شيء حتى يقتل فرصه في المكسب ليحصل على نصيبه في السوق، وكذلك على حساب موظفيه الذي يمتص دماءهم ولا يعطيهم إلا أقل القليل، وأيضا على حساب البيئة التي عانت كثيرا من جراء تلك الرأسمالية ليُصبح كوكب الأرض على حافة الخطر، والتغيرات المناخيَّة الحادة التي تلم بنا حاليا نتاج واضح لتلك الممارسات.

كوكبنا الذي اعتمد منذ الأزل على «التشارك» و«التبادل»، جعلته الرأسمالية مصدرا لتحصيل رغابتها دون دفع أي شيء بالمقابل، تستخرج من باطنه كل ما تحتاجه بلا هواده، وتجز من فوق سطحه كل ما ينفعها دون اعتبار لأي شيء آخر.. يتعامل النظام الرأسمالي مع الأرض تعامل رجلٍ مع امرأة مومس، يحصل منها على شهوته ثم يلطمها على خدها ولا يعطيها أجر ما أخذ منها!

تبني الشركات العملاقة مبانيها على رقعة خصبة من الأرض فتغتصب كل ما في باطنها من كنوز ثم تتركها بورا، وتعتبر تلك الرقعة «ضحية» دون محاولة منها لإصلاح ما أفسدته ولو قليلا، وفي هذا الأمر تستخدم الحد الأدنى من العُمال بالحد الأدنى من الرواتب، وبعضهم يعملون في هذه المشاريع بعقود مُؤقتة فإذا انتهت الشركة من قتل الأرض تُسرحهم من العمل.

هو أمر يشبه القتل بلا هواده للناس والأرض، حتى أن بعض التقارير أشارت إلى أن الأمر قد يصل بمنطقة مثل الخليج العربي أن تكون غير صالحة للسكن في عام 2100 بسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض!

**

«الأنظمة البوليسية»

كوكبنا الذي اعتمد منذ الأزل على «التشارك» و«التبادل»، جعلته الرأسمالية مصدرا لتحصيل رغابتها دون دفع أي شيء بالمقابل، تستخرج من باطنه كل ما تحتاجه بلا هواده، وتجز من فوق سطحه كل ما ينفعها دون اعتبار لأي شيء آخر.

الأنظمة العسكرية أو الأنظمة الديكتاتورية عموما، تعتمد على القوة المُفرطة لإجبار الناس على تقبل حكمهم، بغض النظر عن حالتهم الاقتصادية أو الحريات العامة والحقوق الشخصية.

النظام المُستبد مبني في الأساس على منع الناس من الكلام، فإذا تكلم قص لسانه، فإذا أشار قطع يده، فإذا بصق قطع رقبته.

يعمل النظام المُستبد ويشغل كل طاقاته بهدف إسكات الناس لا تطويع إمكانيات الدولة لتحقيق احتياجاتهم، قد يدَّعي الفقر بينما يصرف الملايين في شراء السلاح وبناء السجون وإعطاء رواتب للضباط والجنود الذين يستخدمهم في قمع الناس.

والتضحية بالناس فلسفة مُستقرة عند الأنظمة الديكتاتورية، فمن ناحية دماء الشعوب رخيصة لديهم، ومن ناحية أخرى «قتل الآلاف في سبيل حياة الآخرين» قاعدة أصيلة ذات منظور أخلاقي لديهم، وفي غالب الأمر تكون تلك التضحية دائما بالمعارضين، وأيضا في الغالب تكون بالفقراء منهم دون أغنيائهم.

تروس الدولة تعمل لأخذ كل قرش في جيوب الناس، فالجيوب الخالية قدرتها على الاعتراض أقل، وقد يرضون بأقل الفتات الذي يُلقى إليهم كل فترة، وفي نفس الوقت تلك الأموال التي تُسحب من جيوبهم تحت مُسميَّات عدة يُستهلك جزء كبير منها في شراء معدات قتالية لا تُستخدم إلا في ترهيبهم وتخويفهم من مغبة الاعتراض.

تلك الأنظمة تُمارس كل يوم «التطهير» فيما يشبه اللعبة الشهيرة، لينتهي الأمر دائما بالناس وهم يمشون بجوار الحائط, خوفا من أن يقتنصهم قنَّاص فيصيبهم إصابة مميتة إذا ما تجرأوا ونزلوا إلى قارعة الطريق!

**

يقول أحدهم إنه يُطلق على الطريق الدائري لقب «طريق سباق الموت»، وأنهم وكأنهم يقودون سياراتهم عليه بمبدأ «نصل سريعا أو نموت»، وهو الأمر الذي أصبح أقرب إلى روتين غالبية الناس، يخرجون صباحا مُحاولين اجتناب كل ما قد يُعرضهم للخطر، لا كلام في السياسة، لا احتكاك بأحد، لا اعتراض على مدير، لكنهم في النهاية لا يعرفون يقينا إن كانت كل تلك المحاذير قد تُؤمِّن لهم العودة ليلا لأهلهم سالمين.

وكأنهم يعيشون في نموذج ضخم من لعبة بوبجي «PUBG»، لكنهم يقعون في خانة الضحية في غالب الأمر، والأغلبيَّة منهم بالرغم من ذلك قد ينتظرون فرصة ليكونوا هم الجناة ويصطادون ضحايا آخرين.

الواقع مرير بلا أي تهويل.

المقال المنشور في قسم شباك يعبر عن رأي كاتبه وليس لشبابيك علاقة بمحتواه

محمد إبراهيم

روائي وكاتب مقالات في عدة مواقع عربية داخل وخارج مصر، يناقش الموضوعات السياسية والاجتماعية.

ميكس ميديا