الفضل يعود للعرب في تطوّر الموسيقى الأوروبية.. حين علمناهم التوزيع وانسجام اللحن

مثل أغلب العلوم والفنون كان للحضارة الإسلامية فضل كبير على الموسيقى الأوروبية، سواء على مستوى الآلات أو الإيقاعات أو ما يرتبط بتدوين النوتة الموسيقية. الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور تطرق إلى جوانب هذا الموضوع في كتابه «المدنية الإسلامية وأثرها في الحضارة الأوروبية».

«الهارموني» والنوتة

حقيقة أن الفارق كبير اليوم بين الموسيقى العربية والموسيقى الغربية، ولكن هذا الفارق – الذي هو نتيجة طبيعية لاستعداد الشعوب واختلاف طبائعها وتاريخها – لا يحول دون الاعتراف بأثر العرب في الموسيقى الغربية وتطورها.

فمثلاً أكد موسيقيون أوروبيون كٌثر أن نظرية الموسيقى الأوروبية تأثرت بالمؤلفين المسلمين، كما يؤكد الموسيقار إيجون ولز أن الغرب لم يعرف أي نوع من أنواع الانسجام الموسيقي في العصور الوسطى حتى زمن الحروب الصليبية، عندما قويت الصلات بين أوروبا والبلاد الإسلامية.

ومنذ ذلك الوقت أخذ يظهر في الموسيقى الغربية نوع من التوزيع الغنائي وانسجام الألحان، فضلا عن تطور تدوين النوتة الموسيقية، حتى أصبح من الممكن تسجيل الأصوات المتباينة والتعبير عنها. ولا شك أن الفضل في ذلك التطور الذي أصابته الموسيقى الغربية منذ القرن الثاني عشر  - عندما انتشر التوزيع الغنائي والانسجام الموسيقي (الهارموني) – إنما مرده إلى تأثير العرب وجهودهم.

وساعد على كل ذلك أن علماء المسلمين كانوا عمليين، فلم يأخذوا بنظريات وآلات من سبقهم على أنها أشياء مسلم بها، وإنما أخذوا الصالح منها وعدلوه وأضافوا إليه ليناسب ذوقهم. فالعود مثلاً كانت له أربعة أوتار فأضافوا إليه وترا خامسا.. وهكذا.

إرث عظيم.. الفارابي والكندي

وقد ترجم العرب بعض أبحاث اليونانيين في الموسيقى فيما بين القرنين الثامن والحادي عشر، كما أضافوا كثيرا من الكتابات المبتكرة في ذلك الفن. ويعبر يونج عن هذه الإضافات التي ابتكرها العرب بأنها «خلقت لنا ثروة عظيمة في نوعها ومقدارها».

ومن أهم علماء العرب الذين كتبوا في الموسيقى أبو يوسف يعقوب الكندي وأبو نصر محمد الفارابي وابن سينا وصفي الدين عبد المؤمن. أما الكندي فكتب عدة رسائل في الإيقاع، ورسالة في المدخل إلى صنعة الموسيقى.

وأما الفارابي فكان أعظمهم جميعا، واعترف بمهارته في فن الموسيقى كُتاب الشرق والغرب، وإليه يرجع الفضل في اختراع الآلة المعروفة بـ«القانون»، فهو أول من ركبها هذا التركيب الذي نراها عليه اليوم.

وقد استدعاه الخليفة سيف الدولة الحمداني للإقامة في حلب حيث جذبت شهرته الطلاب في كل مكان فأقبلوا عليه ليحاضرهم في فن الموسيقى في الحدائق وبين الأزهار والأشجار.

وفي كتابه «وفيات الأعيان» ذكر قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان عن الفارابي أنه جلس ذات مرة في حضرة سيف الدولة الحمداني وأخرج عيدانا لعب بها فضحك كل من كان بالمجلس، ثم ضرب لحنا آخر فبكوا جميعا، ثم غير ترتيب العيدان وضرب لحنا ثالثا فناموا جميعا.

وفي الغرب ذاع صيته حتى عُرف باسم Alpharbius. ومن كتاباته كتب «الموسيقى الكبير»، و«كلام في الموسيقى»، و«إحصاء الإيقاع».

كذلك أسهم ابن سينا بقسط وافر في تقدم علم الموسيقى، وله ثلاث رسائل في الموسيقى أهمها وردت في كتاب «الشفاء».

أما صفي الدين عبد المؤمن فقد ألف «بهجة العيون»، كما أن السلك الموسيقي الذي وضعه يعتبر أكمل سلم ظهر باعتراف باحثي الغرب. والحق أن عبد المؤمن كان مؤسس المدرسة الموسيقية في بغداد، كما كان أعظم الموسيقيين النظريين بعد الفارابي.

آلات أجنبية أصلها عربي 

وقد ازدهرت الموسيقى العربية بالأندلس، فوفد الطلاب الأوربيون إلى قرطبة حيث ترجموا كتابات العرب في علم الموسيقى إلى اللاتينية.

كذلك استخدم حكام قشتالة وأرغونة المسيحيون موسيقيين من العرب، ولا يزال الشرقيون حتى اليوم يرون الموسيقى الأسبانية أقرب إليهم من بقية ألوان الموسيقى الأوروبية، كما أن كثيرا من الآلات الموسيقية الحديثة لم تكن معروفة في أوروبا وإنما عرفها الأوربيون عن طريق مسلمي أسبانيا، مما دفع أودنجتون – كبير الموسيقيين الأوربيين في القرن الثالث عشر – إلى تمجيد الموسيقيين العرب في حماسة بالغة.

وخير شاهد على أثر العرب في الموسيقى الغربية ذلك العدد الوافر من المصطلحات والأسماء الموسيقية التي نقلها الغرب بألفاظها العربية إلى لغاته، فلفظ lute  مأخوذ من عود، وguitar مأخوذ من قيثارة، وribile أو rebecc مأخوذ من رباب، وnaker من النقارة، وkanoon  مأخوذ من القانون، وtimbal مأخوذ من الطبل.

المصدر

  • كتاب «المدنية الإسلامية وأثرها في الحضارة الأوروبية». الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور.

محمد أحمد

صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية

ميكس ميديا