صالح علماني.. نافذة العرب على الأدب اللاتيني

«أن تكون مترجماً مهماً أفضل من أن تكون روائياً سيئاً». كانت هذه الكلمات التي قالها صالح علماني لنفسه، بمثابة البوابة التي فتحت له طريق المجد والشهرة، إذ قرر وقتها تمزيق مخطوط روايته الأولى دون ندم لينخرط في ترجمة روايات الآخرين وتحديداً تلك التي تتخذ الأسبانية لغة لها.

جاء هذا التحول عندما كان في برشلونة وأهداه صديقه رواية «مئة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز ونصحه بقراءتها. عندها انبهر علماني  بلغتها العجيبة والشيقة التي تنقله من سطر لآخر ومن صفحة لأخرى، فقرر ترجمتها إلى العربية.

لم يكن علماني المولود في حمص بسوريا عام 1949 يدرك أن هذا القرار سيجعله الناقل الأول للأدب اللاتيني والأسباني إلى العربية، فعبر ما يزيد عن ثلاثين عاماً ترجم ما يزيد عن مئة عمل أدبي عن الإسبانية، كان آخرها «شيطنات الطفلة الخبيثة» للروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا.

تحولات علماني من الطب للصحافة للترجمة

ومن حسن حظ علماني أن قرار التحول إلى الترجمة جاء مواكباً لصعود تيار الرواية اللاتينية وبروزها عالمياً في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، فظهرت بعض الأعمال لكُتّاب مهمين مثل ماريو بارغاس يوسا في البيرو، وغابريل غاريسا ماركيز في كولومبيا، وكارلوس فوينتس في المكسيك، وآخرين في كوبا، ما أضفى أهمية على ترجمات علماني التي باتت مقروءة ولها جمهورها.

والواضح أن هذا التحول لم يكن سوى واحد من تحولات عديدة شهدتها حياة علماني، فالرجل سافر في عام 1970 إلى برشلونة لدراسة الطب، ثم تركه لدراسة الصحافة، وبعد سنة واحدة عمل بالميناء ما أتاح له الالتصاق بالمجتمع الأسباني أكثر وأكثر.

أهم ما ترجم صالح علماني

لم تكن «مئة عام من العزلة» هي فقط من ترجمه علماني لماركيز، فقد وقع الرجل في غرام روايات هذا الروائي العالمي، فترجم له أيضاً «الحب في زمن الكوليرا»، و«قصة موت معلن»، و«ليس لدى الكولونيل من يكاتبه»، و«عشت لأروي»، و«ذاكرة غانياتي الحزينات»، و«ساعة الشؤم»، و«الجنرال في متاهة».

شُد علماني أيضاً لكتابات الراوئي البيروفي ماريو فارغاس يوسا، فترجم له «حفلة التيس»، و«دفاتر دون ريغوبرتو»، و«رسائل إلى روائي شاب»، و«امتداح الخالة»، و«من قتل بالومينو موليرو»، و«شيطنات الطفلة الخبيثة».

ولم تخرج الروائية إيزابيل أيندي عن السياق، فترجم لها «إنيس... حبيبة روحي»، و«ابنة الحظ»، و«صورة عتيقة»، و«حصيلة الأيام»، و«باولا».

ولجوزيه ساراماغو ترجم علماني «كل الأسماء»، و«انقطاعات الموت»، ولإدواردو ميندوثا «مدينة الأعاجيب»، ولميغل أنخل أستورياس «الريح القوية»، ولأنطونيو سكارميتا «عرس الشاعر»، ولالفارو موتيس «عرس الشاعر»، ولبابلو نيرودا «النشيد الشامل»، وغيرها من الأعمال الأدبية.

ولم يكن الأطفال بعيدون عن اهتمامات علماني، فترجم روايتي «القطار الأصفر»، و«الدب القطبي».

كيف تعامل مع صعوبة اللهجات الإسبانية؟ 

ولم تكن تلك الترجمات وغيرها لتتم دون أن تواجه صعوبات ذكرها علماني في أكثر من مقابلة أهمها أن اللغة الإسبانية غنية جداً مثل اللغة العربية، فهي متنوعة اللهجات، لذلك توجد تسميات للأشياء تختلف تماماً بين بلد وآخر في أميركا اللاتينية، وتختلف في منطقة وأخرى في أسبانيا أيضاً.

ما زاد من الصعوبة أن علماني عندما بدأ الترجمة لم تكن هناك معاجم متخصصة، بعكس ما يحدث الآن، ومن هنا كانت المجازفة في الترجمة، صعبة جداً، حيث لم تكن توجد معاجم تضبط هذه الاختلافات.

الوظيفة الحكومية

كان هذا المشوار الكبير كفيل بحصول علماني على العديد من الجوائز والأوسمة من جهات عديدة، منها مدرسة المترجمين في توليدو 2013، ووسام الثقافة والعلوم والفنون للكتابة الإبداعية 2014، واتحاد الكتاب العرب في طنجة 2015، وجائزة جيرارد كريمونا للترجمة الدولية 2015، وجائزة عبد الله بن عبد العزيز الدولية للترجمة في فئة الإنجاز الفردي، 2016.

لكن كان هناك تكريم من نوع آخر، إذ طالبَ خمسة من أبرز كتّاب أميركا اللاتينية الذين ترجم لهم علماني الحكومة الإسبانية بأن تمنحه الإقامة تكريماً لمنجزه في نقل إبداعات اللغة الأسبانية إلى العربية، وهو ما حصل بعد نزوحه مع عائلته من سوريا.

ورغم الشهرة التي حققها علماني في مجال الترجمة لكنه حافظ على وظيفته الحكومية، فقد بدأ عمله في وكالة الأنباء الفلسطينية، ثم أصبحَ مُترجماً في السفارة الكوبية بدمشق، وعمل في وقت لاحق في وزارة الثقافة السورية وبالضبط في مديرية التأليف والترجمة، وكذا في الهيئة العامة السورية للكتاب إلى أن بلغ سن التقاعد عام 2009.

محمد أحمد

صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية

ميكس ميديا