سيد درويش.. حياة قصيرة ونهاية غامضة

سيد درويش.. حياة قصيرة ونهاية غامضة

قبل 5 أعوام، حين قرر الشعب المصري أن ينتفض لحريته وكرامته في أقسى أيام يناير وفبراير برودة، لم يجدوا سوى أغنياته تبث الدفء في عروقهم، تشد على أيديهم وتؤكد لهم أن الحق معهم، وأن مصر تستحق التضحية.

«تلوم عليا ازاي يا سيدنا.. وخير بلادنا مهوش بإيدنا» تغنّى بها هو قبل ما يقارب قرن كامل من الزمن، إلا أن الأغنية ما زالت تنبض بالحياة، يلجأ إليها المصريون كلما ضاق بهم الحال وعزّ عليهم التعبير عن عجزهم، ضعفهم وقوة حيلتهم.

قيل عنه «مجدد الموسيقى»، وقيل «باعث النهضة الموسيقية في مصر والوطن العربي»، أو «خادم الموسيقى» أو «فنان الشعب». ورغم أن سنوات عمره لم تجاوز الـ31 عاما، ورغم أنه لم يبدأ مشواره الموسيقي إلا وهو في الـ13 من عمره، إلا أنه حفر اسمه بحروف من نور في تاريخ الموسيقى المصرية والعربية.

من هو؟

هو.. «السيد درويش البحر» أو كما اشتهر سيد درويش.. ولد في مثل هذا اليوم قبل 123 عاما، وتحديد في السابع عشر من مارس 1892، بالإسكندرية.

هل كان درويش يشعر أنه لن يعش طويلا؟ هل تنبأ أنه لن يبق على وجه الأرض إلا حوالي ثلاثين عاما فقط قبل أن يعود إلى باطنها فتعجل أن يبدأ حياته سريعا؟ ربما.. وربما هذا ما جعله يتزوج وهو ما زال في السادسة عشر من عمره، ويبدأ مشواره الفني مباشرة؛ ليكسب عَيش يومه.

اشتغل درويش في بداية حياته كعامل بناء، إلا أن الغناء لم يفارقه. بين العمّال، كان صوته يعلو بالغناء، مما لفت انتباه اثنين من أهل الغناء حينها، وأخذاه في رحلة فنية إلى الشام عام 1908.

تبع تلك الرحلة زيارات أخرى للشام حتى أتقن العزف على العود وكتابة النوّت الموسيقية، وفي 1917 انتقل إلى القاهرة ليبدأ رحلته الفنية الحقيقية، وبالفعل زاع صيته وقام بالتلحين لأشهر الفرق الموسيقية حينها، مثل فرق جورج أبيض، علي الكسار ونجيب الريحاني.

درويش وثورة 1919

كان لاندلاع ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول أثر السحر على نفس درويش، فلحن إحدى أشهر أغنياته الوطنية «قوم يا مصري مصر دايما بتناديك»؛ ليُلهب بها حماس المصريين. وحتى وفاته عام 1923 كان درويش قد لحن الكثير من الأغاني الوطنية الباقية حتى الآن، مثل نشيد «بلادي لكِ حبي وفؤادي»، وأغنية «أنا المصري كريم العنصرين».

ولعل أكثر أغنيات درويش الوطنية كانت «زغلول يا بلح»، فحين نُفي سعد زغلول مُنع كذلك غناء أو تقديم أي أغنية للزعيم الوطني، وكان درويش على رأس الممنوعين، وهُدد بالاعتقال إن غنى لزغلول. ابتكر درويش تلك الطريقة لينشد «طقطوقة» وطنية دون أن يقع تحت طائلة الاحتلال الإنجليزي، فلحن تلك الأغنية.

وفاته

في العاشر من سبتمبر عام 1923، التقط النجم الشاب سيد درويش آخر أنفاسه في الحياة، مُنهيا مسيرة قصيرة في الموسيقى، إلا أنه غنيّة وحافلة بالأعمال التي تحدت الزمن وصمدت إلى يومنا هذا.

أثارت وفاة سيد درويش المفاجأة والغير متوقعة الكثير من الشكوك حول سببها، وذهب البعض إلى تأكيد كونها مدبرة إما من الإنجليز أو من الملك فؤاد نفسه؛ لإسكات درويش، ومنعه من الاستمرار في إشعال حماس المصريين ضد الاحتلال والملكية.

شيماء عبدالعال

صحفية مصرية مهتمة بالكتابة في ملف الأدب والثقافة

ميكس ميديا