يعيش جمهور الكاتب أحمد خالد توفيق حالة من الجدل مع كل رواية يصدرها، في محاولتهم للمقارنة بين جودة وإبداع العمل الأخير مقارنة بسابقيه علما بأن «توفيق» لم يصدر من قبل سوى 3 روايات (يوتوبيا، السنجة، مثل إيكاروس) وأتمهم بالرابعة «في ممر الفئران» والتي تعتبر معالجة أطول وأكثر عمقا لقصة في سلسلة «ما وراء الطبيعة» باسم «أسطورة الظلام».

«في ممر الفئران» أنت على موعد مع الظلام، بل منتهى الظلام، ولكن أحيانا ستظهر لك ومضات من النور ستكون سببا في تغيير دفة الأحداث وتشجيع أبطالها على الثورة على الحاكم الذي اختار لنفسه أن يعيش في النور ويترك العالم كله في الظلام، ومن هنا ذكر «توفيق» في مقدمة الرواية أنها تحمل إسقاطا على عالمنا العربي الذي يسعى للوصول للحرية بالكاد وإن لم يكن هناك أي رمزية واضحة لأي شعب بعينه أو أي حاكم بشخصه وإنما الأمر لم يتعدَ مجرد فكرة التمرد ولذا لا أعتبر الرواية -عن نفسي- رواية سياسية بقدر ما هي فنتازية لفكرة خيالية.

وتدور الأحداث حول «الشرقاوي» و«رامي» اللذان كان لكل منهما حياة مستقلة في مصر قبل أن تهبط النيازك وتصيب الكرة الأرضية لعنة الظلام ويلتقيا، ويبدأ «رامي» مع أصدقائه ومعارفه إقناع «الشرقاوي» بأنه الرجل المخلص الذي تحدثت عنه النبوءة من قبل وأنه من في يده وضع خطة للتخلص من حاكم العالم بالقوة «القومندان» الذي أصبح الناس يطيعوه عميانا (تشبيها وواقعا) ولذا فلن تجد تفسيرا لمعاني التمرد أو الثورة والانقلاب إلا في الفصول الأخيرة من الرواية، التي ظلت لأكثر من نصف الأحداث تصف الحياة في الظلام وما آل إليه البشر.

من حيث اللغة، فلغة الرواية مفهومة تحوي بعض الاستعراضات اللغوية والتشبيهية من الروائي التي اعتدنا عليها منه وهو أمر إيجابي، كما كان للخيال «المبرر» دور كبير في ذلك ومن لا يملك أي خلفية علمية أو فيزيائية تحديدا فسيكتسب بعض المعلومات والمتعة من قراءة الرواية، كما ستمنحك فكرتها فرصة كافية لتخيل كيف يمكن للبشر أن يحيوا بدون شمس ولا نار ولا كهرباء ولا أي مصدر للضوء وهو أمر يصعب تخيله من أكثر من زاوية ولكن الكاتب استطاع أن يجيب على كل تلك التساؤلات بذكاء، ولا أقف في تلك الجزئية سوى التطويل فيها حيث استغرق وصف الحياة في الظلام أغلب فصول الرواية قبل الوصول لمرحلة تكوين مجموعة النورانيين التي ستتمرد على الحاكم الأعظم، مع الإشارة إلى أن أجزاء وصف انتقام الحاكم من هؤلاء المتمردين ربما لن تكون مناسبة لكل القراء بسبب دمويتها رغم أنها لم تكن طويلة وإنما كانت قاسية بشكل كافي.

شخصيات ممر الفئران لم تأتِ متعمقة في تفاصيلها بقدر كبير وكان هذا مطلوبا لأن الحالة والموقف الذي سيكونون فيه أهم بكثير من الخوض في تفاصيل ماضيهم وطبيعة شخصياتهم أكثر من ذلك، خاصة أن فرصة ترك الظلام والحياة في النور من جديد كافية لتغيير توجهات أو مواقف أي شخصية أيا كانت، حتى أن بعض تلك الشخصيات المهمة لم يظهر إلا في النهاية وقت تدبير خطة للمرد على الحاكم، علما بأن النهاية جاءت مفاجئة وغير متوقعة وتبرهن على جملة ذكرها الكاتب في نفسه داخل الرواية وهي أن «النهايات السعيدة لا تحدث إلا في السينما»، ورغم ذلك فإن الكاتب قد نجح في صياغة نهاية مقنعة ومرضية حتى لهؤلاء الذين لا يحبون إلا النهايات السعيدة.

تتشابه رواية «في ممر الفئران» مع جميع كتابات الدكتور أحمد خالد توفيق التي تمتاز بالطابع الفنتازي واحتياج قارئها لخيال واسع خاصة رواية «يوتوبيا» التي لازالت حتى الآن الأقرب لقلوب محبي «توفيق» والتي كانت رمزيتها السياسية أكبر وأوضح بكثير من الرواية الأخيرة وكذلك كانت أحداثها وتصاعدها أسرع وأقوى، أما من حيث ترابط الأحداث والشخصيات فتتفوق «في ممر الفئران» على رواية «مثل إيكاروس» التي جاءت مشكلتها الكبرى هي تعدد وتفرع شخصياتها بدرجة سببت بعض الخلط لدى قرائها، بينما حافظ الكاتب في رواية «في ممر الفئران» على مبدأ استعراض الشخصيات الرئيسية والفرعية دون أن يسبب خلط رغم كبر حجم الرواية التي وصلت إلى 380 صفحة.

على القارئ الذي لم يستكشف «في ممر الفئران» بعد، أن يقرأ الرواية لأنها تجربة فريدة وفكرة غير مكررة (إلا في سلسلة ما وراء الطبيعة لنفس المؤلف) ولكن إن كان من محبي رواية «يوتوبيا» فعليه أن يهيء نفسه أنه سيقرأ عملا أقل من مستوى «يوتوبيا» بالتأكيد، سواء في رمزية الواقع السياسي المنتظر أو في تطور الأحداث ومتعة السرد.




0
1
0
0
0
0
0