سندريلا، والجميلة والوحش، وربانزل، حكايات طفولية تعلقنا بها وأحببناها للغاية وأثرت في وعينا بشكل كبير لكنها أكبر من مجرد قصص طفولة.

هذه الحكايات لم توضع للأطفال من الأساس؛ فهي في الأصل أساطير وحكايات شعبية أوروبية، تتحدث عن صراع بين الخير والشر وبين آلهة العالم القديم، وكان لشركة «ديزني» وأمثالها الفضل في إعادة صياغتها في شكل طفولي محبب وتعريف العالم بها.

وقبل «ديزني» كان الفضل يرجع للأخوين «جريم» الباحثين الألمانيين في الأدب الشعبي، الفضل في تجميعها من أبناء الشعب والكتب التراثية في أواخر القرن الـ18، لإعادة إحياء التراث الأوروبي القديم.

سندريلا الصينية

من حضارة الصين في القرن التاسع بعد الميلاد تنقلت حكاية سندريلا الأسطورية إلى الشعوب الأوروبية القديمة ما بين إيطاليا وفرنسا وألمانيا.

تتنقل الحكاية من بلد لبلد ومن زمن لآخر؛ وتأخذ سندريلا العديد من الأسماء؛ فهي «سندرليون» في فرنسا، و«فتاة الخرقة» في جورجيا، و«فتاة الرماد» عند الشعوب الاسكندنافية؛ وفقا لموقع «Free Cameron».

وفي جميع حكايات سندريلا يوجد قاسم لا يتغير وهو أن الفتاة على تواصل مع روح والدتها؛ وفي الأسطورة الصينية كانت روح والدتها أعيدت للحياة مرة أخرى في هيئة سمكة؛ وفي الحكاية الأوروبية تمثلت في النباتات التي تزرعها سندريلا أمام قبر والدتها وتأتي تبكي أمامها وتشكو همومها عندها كلما ازدادت عليها قسوة زوجة الأب والأختين.

حملت سندريلا تفسيرات كثيرة منها تفسير اجتماعي يرى في سندريلا رمزا للفقير المحظوظ الذي تتغير حياته فجأة؛ أما تفسيرات علم النفس والتفسيرات الدينية، فترى ما هو أعمق من ذلك.

فالقسوة والعزلة التي عاشتها سندريلا بعد وفاة والدتها ترمز إلى انفصال الإنسان عن روحه، وأن الإنسان لا يمكن أن يعيش في سلام روحاني إلا بتدخل قوى أخرى تمثلت في الجنيات اللاتي ساعدن سندريلا على الزواج من الأمير؛ وفقا لـ«Free Cameron».

ولأن أسطورة سندريلا قديمة جدا أقدم من الديانة المسيحية نفسها، فوالدة سندريلا المتوفاة في هذه القصة لم تكن إلا إحدى آلهة العالم القديم، ثم استبدلت الكنيسة رمزية الابتعاد عن الآلهة، بوالدة سندريلا المتوفاة.

سنووايت من الإغريق

تقول الأسطورة القديمة إنه كانت هناك ملكة طيبة القلب تمنت ذات يوم أن يرزقها الله بطفلة بشرتها بيضاء كالثلج، وشفتاها حمراء كالدم، وشعرها أسود كالليل.

لكن هذه الملكة تتوفى بعد ولادة طفلتها الجميلة التي تتولى تربيتها زوجة الأب التي تطردها من القصر ثم تحاول قتلها بكل السبل؛ بعد أن كبرت الفتاة وصارت أجمل منها؛ نجحت آخر محاولة بمقتل «سنووايت» بعد أن تناولت التفاحة المسمومة؛ ثم عادت للحياة مرة أخرى بعد قبلة الأمير.

التفاحة المسمومة عند الكاتبة ميشيل ران تشبه إلى حد كبير التفاحة في قصة «آدم وحواء»، فهي رمز للخطيئة والابتعاد عن أوامر الله؛ فـ«سنووايت» كانت تعلم جيدا أن عليها أن تتحدث إلى الغرباء لكنها التفاحة أغرتها بما يكفي.

وهنا تموت «سنووايت» كرمز لانفصالها عن العالم الروحاني ثم تعود للحياة مرة أخرى. وتشير «ران» إلى أن موت «سنووايت»  ثم حياتها مرة أخرى يشير لموت المسيح وقيامته حسب المعتقد المسيحي.

لكن هذه التفسيرات المسيحية تبدو حديثة للغاية مقارنة بعمر هذه الحكاية الشعبية؛ التي تنقلت بين العصور بروايات مختلفة، فمرة تصبح زوجة الأب الشريرة هي والدة «سنووايت» نفسها، ومرة أخرى لا يصبح للأمهات وجود وتدور القصة حول «سنووايت» وأختيها الكبريين اللاتي يغرن منها ويحاولن قتلها.  

أستاذ الأدب الشعبي بجامعة مينيسوتا الألمانية جاك زيبس يقول في حوار له بموقع «Smith Sonianmag» إنه «لا يمكننا أن نعرف بالتحديد أصل هذه الحكايات الشعبية مثل سنووايت وغيرها».

ويوضح «زيبس»: «حاولت جاهدا أن أبحث عن الأصول التي ترجع إليها هذه الحكايات الشعبية؛ لا يمكننا الجزم بأي شيء إلا بوجود تأثير للأساطير الإغريقية على حكاية سندريلا، فهذه الأساطير معروفة بالغيرة والصراعات التي اشتغلت بين آلهة اليونان القديم».

كلمات أجنبية بنقولها بتاتش مصر.. تعرف عليها

ريبانزل زوجة زيوس

كان على «ربانزل» أن تدفع ثمن الخطأ الذي وقعت فيه والدتها التي أوشكت على الوفاة خلال حملها بابنتها؛ وكان المنقذ الوحيد لها من الموت هو أن تسرق بعض الثمار من الحديقة التي تملكها الساحرة الشريرة.

لكن الساحرة الشريرة تشاهد الأب وهو يسرق الثمار من حديقتها من أجل حياة زوجته وابنته القادمة؛ وتعقد معه عهدا أنه إذا أراد أن ينقذ زوجته من الموت، فالمقابل هو أن تأخذ الساحرة الطفلة التي ستلدها زوجته.

تولد «ربانزل» جميلة للغاية بشعر سحري طويل للغاية، له القدرة على شفاء المريض وإعادته لشبابه.

لكن الساحرة الشريرة تأتي لتأخذ «ربانزل» للأبد. تمنح «ربانزل» الشباب والحياة للساحرة العجوز، وعندما تتم الـ12 من عمرها تحبسها في برج عالي وتصور لها أن عالم البشر مليء بالشرور، حتى لا تبتعد «ربانزل» عنها ويزول شبابها وقوتها وتصبح مهددة بالموت.

حملت حكاية «ربانزل» تفسيرات دينية كغيرها من الأساطير، وتفسيرات أخلاقية أو تربوية تقول إن الحكاية ترمز لحماية الفتيات الصغار في مرحلة المراهقة والبلوغ من إقامة علاقات مع الجنس الآخر.

وفي التفسيرات الدينية كانت «ربانزل» رمزا لروح الإنسان التي تريد التحرر من خطيئتها؛ فوفقا لموقع «myths we live by» فقد ورثت الفتاة خطيئة أباها وأمها بسرقة الثمار المسحورة وعليها أن تدفع الثمن، وصراعها مع الساحرة الشريرة كان صراعا لتحرير روحها مرة أخرى، ويبدو هذا التفسير مستمدا للغاية من المعتقد المسيحي الذي يؤمن بأن الإنسان ورث خطيئة آدم وحواء.

وتتشابه حكاية «ربانزل» مع أسطورة إغريقية قديمة وهي أسطورة «داناي» ابنة الملك أكريسيس الذي كان يتطلع إلى إنجاب ذكر، لكن تأتيه نبوءة أن حفيده من ابنته «داناي» سيقتله.

لم تكن «داناي» قد تزوجت في هذا الحين، لكن والدها قرر أن يحبسها في برج عالي طوال حياتها. لكن الإله زيوس استطاع يتسلل إلى محبس الفتاة وعرض عليها الزواج وأنجبت منه الطفل بيرسيوس.

في حكاية «ربانزل» يتسلل إليها الأمير من البرج ويقع في حبها ويساعدها على الهرب والتخلص من الساحرة الشريرة.

يخوض الأمير مع الساحرة الشريرة حربا تنتهي بأن يفقد بصره الذي تعيده له «ربانزل» بقدرة شعرها على الشفاء. وفي أسطورة «داناي» يدخل بيرسيوس ابن داناي وزيوس حروبا كثيرة مع آلهة الشر تنتهي بمقتله.

الجمال النائم.. والدة الشمس والقمر

«الجمال النائم» حكاية شعبية ألمانية تتشابه إلى حد كبير مع حكاية شعبية إيطالية وهي «الشمس والقمر وتاليا». وتبدو «الجمال النائم» قصة طفولية رقيقة، بينما تمتلئ حكاية «تاليا» بشرور وآثام لا يحتملها الأطفال الصغار.

تبدأ حكاية «الجمال النائم» بملك وملكة يرزقون بطفلة جميلة ورقيقة، وبينما تتجمع حولها الجنيات الطيبات ليكن مسؤولات عن رعايتها والاهتمام بها؛ تظهر الجنية أو الشريرة السابعة التي تسحر الطفلة الصغيرة وتحكم عليها بالموت بواسطة «إبرة خياطة» عندما تكبر.

وعندما تكبر الفتاة وتجرح إصبعها «بالإبرة» تدخل في غيبوبة طويلة للغاية لا أمل لها في الاستيقاظ منها؛ إلا بعد أن يشاهدها الأمير ويقع في غرامها وهنا تستيقظ ليتزوجا.

وفي حكاية «الشمس والقمر وتاليا» تختلف القصة كثيرا عند هذا الموضع؛ فالأمير لا يوقظ الفتاة الجميلة بل يغتصبها مرارا حتى تستيقظ لتجد نفسها حاملا بطفلين هما الشمس والقمر، ثم يتزوجها ويعيشان معا في سعادة!

في حكاية «تاليا» يبدو الأصل الأسطوري واضح جدا في ولادة الطفلين الشمس والقمر، فالشعوب القديمة سواء في الشرق أو الغرب كانت الأساطير عندها تفسر ظواهر كونية وكان الشمس والقمر والكواكب آلهة وأبناء آلهة. كان أيضا اغتصاب الإله الذكر لإحدى البشريات والآلهة الأنثوية أمرا شائعا في الأساطير الإغريقية.

عبادة البهجة في مصر.. الدين والسعادة يسيران جنبا لجنب

  الجميلة بيل والوحش كيوبيد

في حكاية الجميلة الوحش، يعمل والد الفتاة «بيل» كتاجر يجمع أغلى الأقمشة والمجوهرات من جميع أنحاء العالم؛ وفي آخر رحلة له يمر على حديقة يرى فيها زهرة مسحورة كان ينوي سرقتها عندما يتصدى له «الوحش» ويشترط عليه أن يرسل إليه أجمل بناته وهي «بيل» ليستطيع فداء نفسه من الموت.

لم يكن «الوحش» إلا أميرا مغرورا ومتكبرا في الماضي سحرته إحدى الجنيات ومسخته وحشا، وقضت عليه بأنه إذا لم يجد فتاة تحبه لشخصيته فسوف يموت، وأعطته مهلة صغيرة هي عمر الزهرة المسحورة.

وشيئا فشيئا تقع «بيل» في حب شخصية الأمير الممسوخ، وتنقذه من اللعنة والموت.

لم تكن «بيل» في حكاية «الجميلة والوحش» إلا تجسيدا آخر للفتاة الجميلة «سايكي» في أسطورة «ساكي وكيوبيد» الإغريقية؛ وفقا لموقع «Letter Pile» المختص في اللغة والأدب.

كانت «سايكي» هي أجمل أخواتها الثلاثة مثل «بيل»، وكان هذا سببا كافيا لتغار منها أفروديت إلهة الجمال وتسلط عليها ابنها كيوبيد إله الحب، ليقضي على «سايكي» بأن تتزوج أقبح الرجال في العالم.

كان والدا «سايكي» حزينان لأن لا أحد يجرؤ على التقدم للزواج منها بسبب شدة جمالها وشعوره الدائم بأنه سيتم رفضه؛ وهنا أوحى كيوبيد لوالديها أن عليهما أن يرسلا «سايكي» إلى الجبال لتتزوج من وحش له قوى خارقة.

لم يكن هناك أي وحوش، فكان كيوبيد نفسه هو الذي ينتظر «سايكي» في أعالي الجبال واشترط عليها ألا تنظر إليه طوال إقامتها معه وإلا سيهجرها للأبد. وظل كيوبيد يعاملها بلطف شديد حتى أحبته من دون أن ترى وجهه وتعرف أنه إله الحب الوسيم.

هجوم على حكايات ديزني

في هذه الحكايات الشعبية جميعا شيء مشترك، فالوجود الأنثوي قوي وحاضر للغاية وتتمحور حوله أهم الأحداث، لكنه وجود يحتاج إلى مساعدة دائما من قبل الرجل أو فارس الأحلام.

لا تحب الحركات النسوية الصورة التي وضعتها هذه الحكايات للمرأة، والتي تحمل ما يشبه التمييز ضدها، فهي فتاة رقيقة للغاية وجميلة للغاية أيضا، لكنها دائما ضعيفة لا تستطيع الدفاع عن نفسها ولا تجيد شيئا غير الغناء والطبخ وأن تنتظر فارس الأحلام الذي يخلصها من الساحرة الشريرة.

لم يكن الأمر مقتصرا على رؤية بعض النسويين، كما يوضح الناقد الفني «جوزيف مانديوك» في مقاله بموقع «The Artifice» المختص بنقد وتحليل أفلام ديزني.

يقول ماندويك: «لا يقتصر الأمر على الرؤية التي تقدمها هذه الحكايات عن المرأة، ولكن الأمر يتعلق بتأثيرها على الأطفال. فهل يمكن لشخصيات مثل سندريلا أن تكون قدوة للأجيال القادمة؟»

لكن ديزني بدأت تطور رؤيتها لهذه الشخصيات، ففي حكاية مثل «عروس البحر» التي تتحدى عائلتها وكل المحاذير حولها لتحقق ما تريده وهو التحول لامرأة بشرية والزواج بمن تحب، ثم تأتي حكاية «الجميلة والوحش» فالفتاة الرقيقة بيل لا تخاف من هذا الوحش بل يكون لها الفضل في شفائه من اللعنة، وأخيرا حكاية «مولان» التي تتحدى جميع الأعراف وتلتحق بالجيش ولديها أولويات أهم بكثير من انتظار فارس الأحلام. ويبدو التطور الذي لعبت عليه ديزني في أفلامها تطورا للمجتمع الغربي نفسه.

وما المشكلة في فارس الأحلام؟

هناك من يرى أن هذه الرؤية النسوية لحكايات ديزني أو للقصص الشعبية ظالمة أو غير مبنية على فهم سليم لمعنى الحكاية الشعبية.

فالحكاية الشعبية في الأدب الشعبي هي حكاية رمزية خارج إطار الزمان والمكان، وتحكي عن عوالم أخرى غير حقيقية.

في البدء كانت الحكايات الشعبية أساطير عن الآلهة والظواهر الكونية ثم حوّلها التداول الشعبي لحكايات عن أبطال خارقين، وكل شخصية فيها عبارة عن رمز لمعنى آخر.

وفي رأي أستاذ الأدب الشعبي جاك زيبس في تعليقه على القصص الذي جمعها الأخوان جريم، أن الشخصيات الأنثوية كانت رمزا للصراع بين الخير والشر، يتمثل الشر في الغالب برمز زوجة الأب أو الساحرة الشريرة، أما الخير فيتمثل في الفتاة الصغيرة التي ترمز للطيبة والبراءة، أما زواج هذه الفتاة في النهاية من فارس الأحلام فلا يقصد به الزواج في حد ذاته، ولكنه رمز لانتصار الخير وانفصال الفتاة الصغيرة عن عالم الشر واختيارها حياة أخرى بإرادتها. 

العروسة في الاحتفالات الدينية.. من الفراعنة للمولد النبوي

2
0
1
1
0
0
0

شارك المقال