«العروسة» في الاحتفالات الدينية.. من الفراعنة للمولد النبوي

«العروسة» في الاحتفالات الدينية.. من الفراعنة للمولد النبوي

«عروسة المولد».. لطالما كانت رمز في احتفال المصريين بالمولد النبوي؛ جنبا إلى جنب مع الحلاوة والحصان.. تلك الأشياء التي شكلت مصدر البهجة في الاحتفال بالمولد، لكن رمز «العروسة» أو العروس لم يقتصر على الاحتفال بالمولد النبوي أو الدين الإسلامي.

فعلى مدى عصور طويلة، ومنذ عهد الفراعنة وحتى الآن، تنوعت احتفالات المصريين الدينية وتغيرت طقوس الاحتفال قليلا لتناسب عقيدة كل دين، ما بين الديانة المصرية القديمة، والديانة المسيحية والدين المسيحي.

لكن شيئا واحدا ظل موجوداعلى استحياء وهو رمزية «العروس» في بعض الاحتفالات الدينية على مر العصور.. كانت في البدء «عروس النيل»، عند الفراعنة، ثم «عروس الرب» في الديانة المسيحية، ثم عروس المولد عند المسلمين.

لنعد قليلا بالتاريخ إلى الوراء لنعرف.. هل من رابط خفي يجمع بين تلك «العرائس» جميعا؟

عروس النيل الغامضة

عروس

الأسطورة تقول إن المصريين القدماء كانوا يقدسون النيل مصدر الحياة لهم. عبد المصريون القدماء النيل ورمزوا له بالإله «حابي». وفي كل عام كانوا يلقون فيه فتاة حية يتزوجها هذا الإله، حتى يرضى عن المصريين ويجلب لهم الخير والخصب.

لكن الدلائل التاريخية تقول إن المصريين لم يكونوا ذلك الشعب الذي يقدم الضحايا أو القرابين من النفوس البشرية.. فمن كانت تلك العروس الغامضة يا تُرى؟

كانت تلك العروس هي تمثال للإلهة «إيزيس»، إلهة الأمومة والخصوبة عند المصريين القدماء، وكانت أيضا إلهة القمر، الذي اتخذ المصريون من دورته كل شهر، رمزا على تجدد الحياة أو الحياة الأبدية.

ومن هنا صارت «إيزيس» من أهم الآلهة عند المصريين، الذين قامت ديانتهم على مبدأ الحياة والبعث بعد الموت.

لكن «إيزيس» لم تكن وحدها في هذه القصة؛ فقد شكلت مع زوجها «أوزوريس» وابنها «حورس» ثالوث العقيدة المصرية القديمة.  

تقول الأسطورة مرة أخرى إن «إيزيس» تزوجت من أخيها «أوزوريس»، الذي كان على وشك أن يُتوج ملكا على مصر؛ لكن أخاه «سِت» إله الشر، غدر به في يوم تتويجه ملكا، وقتله ثم ألقاه في النيل، ليستحوذ هو على عرش مصر.

رحلة مرهقة أمضتها «إيزيس» للبحث عن زوجها، كانت تبكي فيها وتذرف كثير من الدموع التي تتجمع في مياه النيل.. تزيد دموع «إيزيس» ليزيد فضيان النيل على أرض مصر.

«إيزيس» استطاعت أخيرا أن تعثر على زوجها وتعيده للحياة وأنجبت منه «حورس»، الذي انتقم لأبيه، وقتل «ست» شر قتله.

وأصبحت «إيزيس» إلهة للحياة والخصوبة والأمومة، وصار «أوزوريس» إلها للبعث والحساب بعد الموت، أما «حورس» فكان رمزا لانتصار الخير على الشر.

ولم يصبح هذا الثلاثي رمزا للحياة الأخرى فحسب، فقد صار رمزا لتجدد النباتات في موسم الحصاد.. كان «أوزوريس» رمزا حاضرا بقوة في احتفالات شم النسيم، الذي يحتفل به المصريون بحياة النباتات مرة أخرى في الربيع بعد شهور الشتاء القاسية.

ولهذا أيضا كان المصريون القدماء يلقون كل عام تمثال «إيزيس» في ذلك النيل الذي تشكل بدموعها، وكرمز لاتحادها بـ«أوزوريس» وتجدد الحياة.

عبادة البهجة في مصر.. الدين والسهادة يسيران يدا بيد

عروس بين السماء والأرض

عروس

ترك المصريون ديانتهم الفرعونية القديمة ليعتنقوا المسيحية مع دخولها مصر.

جاءت المسيحية لتحارب جميع الرموز الوثنية التي تأسست عليها ديانات العالم القديم بمختلف أنواعها؛ فتعدد الآلهة كان السمة الغالبة على الديانات القديمة في مصر وحضارة الإغريق والحضارة البابلية في العراق وغيرها.

لكن الديانة المسيحية في مصر تمسكت هي الأخرى برمز أنثوي مقدس، كان هو مريم العذراء.

وإذا كان المعتقد المسيحي قائم على عبادة الأقانيم الثلاثة «الآب والابن والروح القدس»؛ فتقديس مريم العذراء اعتبر من جوهر العقيدة نفسها، فبولادتها للمسيح صارت العذراء عند المسيحيين واسطة بين الله والبشر، أو عالم السماء وعالم الأرض.  

تقديس العذراء يعود بجذوره إلى الديانة اليهودية وإلى نصوص العهد القديم التي بشرت بالسيد المسيح الذي كان ينتظره اليهود لتخليصهم من عصور من الظلم والقهر على يد الرومان ومن سبقهم من البابليين.

وقبل 700 عام من ولادة المسيح جاء في سفر إشعياء من العهد القديم : «ويعطيكم السيد نفسه آية: ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل».

هذه المكانة التي حظت بها مريم في العهدين القديم والجديد؛ جعلها من أهم رموز الديانة المسيحية اليوم؛ حتى أن المسيحيين يحتفلون بأكثر من عيد للعذراء.

تختلف هذه الأعياد ما بين المناسبات الصغيرة والكبيرة، وتختلف كذلك بين الطوائف. أبرز هذه الأعياد هو ذكرى انتقال العذراء للسماء. ففي المعتقد المسيحي رفعت العذراء إلى السماء نفسا وجسدا، بعد وفاتها. وفي مولد العذراء توزع الحلوى والأطعمة وتقام الصلوات.

أعطى المسيحيون للعذراء عدة ألقاب أشهرها «أم النور»؛ كما لقبوها أيضا بـ«عروس الرب» أو «عروس المسيح».

فالعروس في المعتقد المسيحي هو رمز للتكريس؛ بهذا يعني أن العذراء مريم قد كرست حياتها لخدمة الرب وخدمة المسيح؛ أي قصرت حياتها كلها لخدمة الرب.

رمزية «العروس» تطلق أيضا على «الكنيسة». جاء في سفر إشعياء: «لأنه كما يتزوج الشاب عذراء يتزوجك بنوك وكفرح العريس بالعروس يفرح بك إلهك».. ورغم أن سفر إشعياء كتب قبل ميلاد المسيح بقرون، لكن آباء الكنيسة يفسرون هذه الآية بأنها بشارة بقدوم المسيح وسيطرة الكنيسة التي تجمع الشعب المسيحي برابطة قوية كرابطة الزواج.

اليهود في مصر.. بين الثراء والتأميم والانقراض

عروس المولد والحصان

عروس


يظهر رمز «العروس» بقوة مرة أخرى  في أحد الاحتفالات الدينية، لكن هذه المرة يكون أكثر ارتباطا بالدين الإسلامي وتحديدا بالمولد النبوي، متمثلا في «عروسة المولد».

لم تكون «عروس المولد» وحدها في هذا الاحتفال، فبجانبها رموز أخرى كالحصان والجمل، ولا ننسى حلاوة المولد بالطبع. 

أقول كثيرة تعددت في تفسير رمز «العروسة والحصان» قيل إنهما رمز للخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمي وزوجته التي حرص على اصطحابها في احتفالات المولد النبوي التي احتفى بها الفاطميون كثيرا، كغيرها من مظاهر الاحتفالات الدينية مثل فانوس رمضان واستطلاع الرؤيا للهلال.

قيل أيضا إنها مأخوذة من تمثال الإلهة إيزيس، بهذه الهالة التي تحيط بها والتي تشبه جناحي الإلهة المصرية القديمة. وقال آخرون إنها مأخوذة من تمثال السيدة العذراء وتلك الهالة النورانية التي تحيط بها.. لم يكن لدى الفريقان إثباتا لتفسيراتهم.. ولم يفسروا أيضا ما هي علاقة المولد النبوي بإيزيس أوالعذراء؟

الباحث في التراث الشعبي، مسعود شومان يفسر لـ«شبابيك» هذا الأمر ويقول: «الاحتفال بالموالد الشعبية في مصر يعود في الأساس لفكرة الاحتفال بالحياة. والتي تعود لعهد الفراعنة».

احتفل المصريون بالحياة عبر مظاهر كثيرة، في احتفالهم بالمولود الجديد فيما يطلق عليه السبوع، ثم احتفالهم بتجدد الحياة بعد الموت المتمثل في أسطورة إيزيس وأوزوريس، وعندما تغيرت ديانة المصريين، تحولوا من الاحتفال بحياة الآلهة لحياة القديسين والأولياء».

ومن هنا يفسر شومان بأن رمز العروسة والحصان في احتفال المولد، يرمز إلى الحياة، وإلى اتحاد النفس البشرية لخلق حياة جديدة؛ وهو نفسه مبدأ أسطورة إيزيس وأوزوريس؛ وكان اختيار رمز العروسة الفرعوني التي تشبه إيزيس بهالتها المحيطة حولها؛ مع رمز الحصان الذي يدل على الفروسية الإسلامية، نوع من الربط بين ثقافة المصريين القديمة والجديدة».  

نظرة في سلوك المصريين تجاه العرب.. عداوة ينكرها الواقع

لماذا العروسة إذا؟

عروس

العروس في رأي شومان ترمز إلى المرأة؛ فالمرأة منذ قديم الأزل كانت رمزا مقدسا عند المصريين؛ فهي رمز للأمومة والخصوبة والبهجة والحياة التي تشكلت في إيزيس.

تغيرت ديانة المصريين على مر العصور ولم تتغير مكانة المرأة في نفوسهم كرمز للحياة أو كرمز ديني مقدس. فكان لكل دين رموزه الأنثوية التي لعبت دورا كبيرا في هذا الدين أو ذاك.

كانت مريم في المسيحية هي الرمز الأنثوي المقدس الذي حمل رسالة الله للبشرية، وكان رابطا بين عالم السماء والأرض.

وفي الدين الإسلامي كثرت الرموز الدينية النسائية التي احتفى بها المصريون مثل السيدة زينب والسيدة فاطمة الزهراء؛ وفقا لشومان.

تسلسل تاريخي.. حكايات التجنيد الإجباري في مصر من الفراعنة لمحمد علي

 

أميرة عبد الرازق

أميرة عبد الرازق

محررة صحفية ومترجمة مصرية مهتمة بشؤون التعليم واللغات وريادة الأعمال