عندما دخلت ماليزيا في فترة الثمانينيات كانت دولة آسيوية من دول العالم الثالث؛ تمزقها الصراعات العرقية والدينية، بالإضافة للبطالة والأمية.

الاحتلال البريطاني ترك ماليزيا عام 1957. لتشتغل فيها الصراعات العرقية بين السكان الأصليين «الملايو»  والهنود والصينيين الذين يسيطرون على المال والسلطة.

محاولات إصلاحية كثيرة مرت بها هذه الدولة الصغيرة، لكن ظلت الطفرة التنموية التي حققتها من نصيب فترة حكم رئيس الوزراء السابق مهاتير محمد الذي تولى الحكم من 1981 حتى عام 2003.

عشرون عاما في عمر الدول والحضارات لا تعني شيئا، لكنها في عمر ماليزيا تعني تحولا جذريا من مصاف الدول النامية إلى دول العالم الأول.

فهل من شيء يمكن أن تتعلمه مصر من تجربة ماليزيا وهي مقبلة على العام 2017 والذي تتطلع فيه إلى الخلاص من أزماتها الاقتصادية المتلاحقة في العام المنقضي؟

جدل حول رئيس الوزراء

تجربة ماليزيا

كان مهاتير محمد من أصول هندية، وعندما تولى رئاسة الوزراء، اشتعل في الشارع الماليزي جدل حول إذا كان هذا الرجل يسيتطيع فعلا القيام بدورة والعبور بالبلد من أزمته أم لا؟

حتى الحزب الحاكم نفسه وهو «منظمة الملايو الوطنية» انقسم إلى فريقين، فريق مؤيد لمهاتير وفريق ضده.. كانت أبرز الانتقادات التي وجهت له هو أنه سيشعل الانقسامات العرقية في البلاد أكثر مما هي.

ووسط هذه الصراعات وضع رئيس الوزراء والحكومة خطة للتنمية الاقتصادية والتعليمية والقضاء على الصراعات الدينية والعرقية.. فهل نجحت؟

التكنولوجيا تحسم الأمر

وصف مهاتير محمد، نفسه ذات يوم بأنه «مدمن للتكنولوجيا».. كان واحدا من رؤساء قلائل أنشئوا لأنفسهم مدونات ومواقع إلكترونية خاصة بهم، كما يصفه موقع « Facts And Details»، لكن كيف أثرت هذه الميول الشخصية على نهضة ماليزيا؟

كانت ماليزيا تمر بأزمة اقتصادية كبيرة لكن هذا لم يمنع الحكومة من وضع ميزانية ضخمة لمشاريع البنية التحتية والمشاريع الصناعية القائمة على التكنولوجيا.

ووضعت خطة للنهضة الاقتصادية والصناعية هدفها هو أن تجعل ماليزيا دولة صناعية في المقاوم الأول وأن يتضاعف دخل الفرد أربعة أضعاف مع العام 2020.

يقول الكاتب الهولندي بصحيفة النيويوركر، إيان بوروما: «كان مهاتير محمد يريد أن يصنع من ماليزيا وادي سيلكون آخر في قلب آسيا».

بدأت الدولة في جذب الاستثمارات الأجنبية الخاصة بمجال التكنولوجيا، وفي مجال الصناعات الثقيلة والمشاريع الخاصة بالبنية التحتية.

واستغلت الحكومة وجود قاعدة قوية لهذا النوع من الشركات في البلاد، منذ أن عمل الاحتلال البريطاني على استقدام الشركات اليابانية والأمريكية في مجال التكنولوجيا.

التعليم في سنغافورة.. هنا يختار الطلاب مناهجهم

والنتيجة؟

تجربة ماليزيا

 مع بداية التسعينيات أصبحت ماليزيا أكبر دولة في تصدير أشباه الموصلات.

وأصبح وضع ماليزيا في بداية التسعينيات يشبه إلى حد كبير وضع اليابان في ما بين فترة الستينيات والسبعينيات، عندما بدأت تودع مرحلة من الفقر، وتدخل في نهضة تكنولوجية مماثلة. في هذه الفترة شكلت الصادرات 54.3% من الاقتصاد الماليزي.

وحتى العام 1997 كان الاقتصاد الماليزي ينمو بمعدل من 8 إلى 9% سنويا والذي يعتبر من أعلى معدلات النمو الاقتصادي، وكانت ماليزيا تسير جنبا إلى جنب مع الدول الكبرى، فاحتلت المرتبة الثالثة عشرة لأفضل الدول اقتصاديا على مستوى العالم.

أما دخل الفرد سنويا  فقد تضاعف من 2255 دولارا في 1990 إلى 3908 في 1995 إلى 6500 في عام 2000 في العام الواحد، وذلك قبل الأزمة الاقتصادية الآسيوية؛ وفقا لموقع «Economist».

لماذا نجحت هذه الطفرة الاقتصادية؟

لم تكن هذه النهضة الاقتصادية والصناعية لتأتي من فراغ ولكن كانت هناك بعض الأسس والخطط التي اتبعتها الحكومة الماليزية، مثل:

- مناخ آمن للمستثمرين

صُنفت ماليزيا كأكثر دولة آمنة لرجال الأعمال في جنوب غرب آسيا، وفقا لـ«Economist».

لكن هذا المناخ الآمن ارتبط برفض منافسة الاستثمار الأجنبي للصناعات المحلية التي تسطيع الدولة المنافسة فيها بقوة.

- الاستعانة بالدول الأخرى

تجربة ماليزيا

كانت دولة مثل اليابان شركيا أساسيا لماليزيا في صناعاتها الاقتصادية أو المنح التعليمية واستقدام الخبرات لتدريب الماليزين عمليا ومهنيا.

فاليابان وماليزيا تتشابها إلى حد كبير في قلة مواردهما الطبيعية واعتمادهما على العنصر البشري كأهم عامل في التنمية.

أيقنت هذه الدولة أن رأس مالها الوحيد هو الإنسان الذي يجب أن تزوده بالمهارات اللازمة ليكون قادرا على صناعة النهضة.

دعك من كل ما تسمعه.. ماذا تعرف عن الوجه الآخر لأمريكا؟

- التعليم

التعليم يصنع الكثير لدولة نامية مثل ماليزيا أرادت أن تصل لمصاف الدول المتقدمة في وقت قصير.

عملت ماليزيا على الارتقاء بالتعليم من خلال محاور أساسية هي الاهتمام بالتعليم المهني وربط التعليم بسوق العمل إنشاء المعاهد ومراكز البحث العلمي التي تطوع البحث العلمي لحل مشاكل المجتمع في مختلف المجالات، ودعم الطلاب بالمنح التعليمية في الدول المتقدمة، ووضع مناهج تعليمية جديدة تعتمد على شيء واحد فقط وهو تنمية حس الابتكار عند الطلاب.

شيء آخر يبدو صغيرا لكن كان له أثر كبير وهو الاهتمام بتدريس اللغة الإنجليزية في المدارس، حتى تساعد الطلاب على الانفتاح على الآخر وعلومه المختلفة وسهولة استفادة الطلاب في البعثات التعليمية.

- مقاومة الصراع العرقي

تجربة ماليزيا

دولة مثل ماليزيا كانت متعددة الأعراق والديانات.. فالغالبية هم الملايو المسلمين الذين يشكلون حوالي 60% من المواطنين وهم أيضا السكان الأصليون للبلد والذين يعيشون في فقر كبير، ثم الهنود والصينيون وهم الفئة الأقل المسيطرة على الاقتصاد والنفوذ.

وكان الأساس الذي انطلقت منه الحكومة هو الاعتراف بالتعددية الثقافية والعرقية والدينية وترك المساحة لها لتنمو وعدم دمج وإذابة أي طرف لآخر.

وبينما كانت الحكومة تسمح للملايو بحصة ونصيب في الاقتصاد وإعطائهم كثير من الحقوق مع تدريس اللغة الملاوية في المدراس كلغة رسمية؛ سمحت للصينيين والهنود بتدريس لغاتهم المحلية وثقافتاتهم في مدارسهم، واعترفت بهم كمواطنين ماليزيين ولم تسع لاقتطاع ما بأيديهم من سلطة أو نفوذ حتى لا تحدث مزيد من الاضطرابات.

 مرة أخرى.. انتقادات لمهاتير محمد

يعترف كثيرون بالنهضة الاقتصادية التي حققتها ماليزيا في عهد مهاتير محمد، لكن وجهت له كثير من الانتقادات أبرزها هو بطشه بالمعارضين.

ففي عام 1987 اعتقل حوالي 100 شخص بينهم سياسيون وأغلقت ثلاثة صحف، ووضعت الحكومة عقوبات لكل من ينشر أخبارا كاذبة؛ وفقا لتقرير صادر عن مكتبة الكونجرس الأمريكية حول تجربة ماليزيا.

النهضة الاقتصادية التي شهدتها ماليزيا تعرضت للانتقاد أيضا، لقد قيل صبت في صالح رجال الأعمال من الصينيين، بينما كان الملايو من الفقراء والفلاحين الذين لا دخل لهم بالاستثمار؛ وفقا لـ«Facts And Details».

هذه الحكومات أقنعت مواطنيه بالإقلاع عن التدخين.. تعرف عليها

 

المصدرfacts and details.com ، Kuwait Times ، Economist ، Library of congress paper

1
0
0
0
0
0
0

شارك المقال


محررة صحفية مصرية مهتمة بشؤون التعليم واللغات وريادة الأعمال