التعليم في سنغافورة.. هنا يختار الطلاب مناهجهم

تشترك اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة في ماضي شعوبها المليء بالحروب والتدهور الاقتصادي والسياسي، وندرة الموارد الطبيعية؛ لكنها الآن تتربع على قمة أفضل الدول في التعليم.

هذه الدول الآسيوية الثلاث جعلت من التعليم موردها الأول والرئيسي، لتضمن مستقبلا أفضل في مدة قصيرة لا تزيد عن خمسين عاما. وإذا كانت كوريا الجنوبية واليابان قد حققتا سبقا ملحوظا في الارتقاء بالتعليم؛ فإن تجربة سنغافورة باتت هي الأشهر عالميا، حتى إنها تُدرَّس في الجامعات العالمية المهتمة بالتعليم وريادة الأعمال. أو كما يقول موقع «Contact Singapore» المختص في البحث عن فرص العمل بسنغافورة؛ إن الإنسان هو مورد الدولة الوحيد، ولذلك تؤخد العملية التعليمية بمنتهى الجدية.

مبدأ سنغافورة

المبدأ الذي اتبعته سنغافورة ليس الارتقاء بالتعليم فقط، وإنما منافسة الدول الأوروبية، لتصبح مركزا دوليا في التعليم، وتجذب إليها كبرى الجامعات الدولية وراغبي الدراسة في الخارج.

وإذا ألقينا نظرة سريعة على نظام التعليم في سنغافورة بإختلاف أنواعه، سواء التعليم الخاص أو الحكومي أو الدولي؛ فسنجد أنه يوفر خيارات متعددة ومرنة في كل مراحله، بدءا من مرحلة الحضانة والمرحلة الابتدائية وصولا إلى المرحلة الثانوية وما بعدها. كما يوضح موقع «Inter Nations».

هذا هو الهدف

  يهدف نظام التعليم السنغافوري إلى بناء شخصية قوية للطفل وتنمية مهاراته الاجتماعية؛ ما يؤتي بثماره في النتائج الأكاديمية التي يحققها الطلاب والوظائف المرموقة التي يلتحقون بها؛ مقارنة بغيرهم على مستوى العالم المتقدم.

ومع ذلك لا تقف طموحات حكومة سنغافورة عند سقف معين؛ بل تسعى إلى مزيد من التطوير للنظام التعليمي ليكون أكثر مرونة وجودة.

يعني أيه تعليم في سنغافورة؟

تجعل وزارة التعليم في سنغافورة هدفها الرئيسي هو اكتشاف مواهب كل تلميذ على حدة، ثم الوصول بهذه الموهبة إلى أعلى إمكانياتها، وزرع شغف التعلم في نفوس الطلاب طوال حياتهم، حتى يطورون من أنفسهم دائما، ولا يقف الأمر عند حدود تخرجهم من المدرسة.

وتوضح وزارة التعليم في سنغافورة بموقعها على الإنترنت أن هذا الأساس القوي من التعليم، هو الذي يعد الجيل القادم من أبناء سنغافورة للمستقبل، فالمهارات التي يتعلمها الأطفال والطلاب في المدرسة والجامعة أو المعاهد الفنية تخلق مستقبلا أفضل لهم ولبلدهم.

مرونة وتنوع

ويتمتع نظام التعليم في سنغافورة بمرونة وتنوع شديدين؛ فهناك العديد من الطرق التي تؤدي إلى الجامعة والحصول على وظيفة. فبعد أن ينهي الطفل ست سنوات من المرحلة الابتدائية، يلتحق مباشرة بالمرحلة الثانوية؛ وله حرية الاختيار بين المدارس الثانوية أو الخاصة أو أحد البرامج التعليمية الأخرى، فالمهم أن يكون الخيار أمامه متاحا ليدرس ما يريد وفقا لميوله واهتماماته.

والأمر كذلك بعد إنهاء هذه المرحلة، فالتعليم ما بعد الثانوي متنوع أيضا بين الجامعات والمعاهد التقنية والفنية وغيرها. يلتحق الأطفال بالمرحلة الابتدائية في سن السابعة، ويتعلم فيها الأطفال مباديء الرياضيات واللغة الإنجليزية، كما يتم التركيز على تنمية مهاراتهم في لغتهم الأم، فسنغافورة معروفة بتعددها العرقي ووجود أكثر من لغة رسمية مثل الإنجليزية والصينية والماليزية.

التعليم حسب الاهتمامات

الطفل ليس صفحة بيضاء تستطيع أن تكتب عليها ما تشاء. وليس كل الأطفال مؤهلون لتعلم كل شيء بنفس الدرجة أو النسبة. هذا المبدأ يعد الفارق بين الدول المتقدمة في التعليم وغيرها.

وتوضح وزارة التعليم في سنغافورة سبب هذه المرونة في مرحلة مبكرة جدا من عمر الطفل؛ فتقول إن إتاحة اختيارات تعليمية وأنشطة متعددة أمام الطفل في الصغر، يسهم في اكتشاف ميوله ومواهبه، ثم تكون الخطوة الثانية بإتاحة نظام تعليمي ينمي له هذه المواهب منذ المرحلة الابتدائية، فعندما تتاح الفرصة للطالب ليدرس ما يحب، سيشجعه ذلك على النجاح.

المدارس في سنغافورة لا تتبع نظاما واحدا، فكل مدرسة لها أنشطتها الخاصة والمهارات التي تركز عليها. بعض المدارس تركز على الأنشطة الرياضية، والأخرى على الأنشطة الاجتماعية أو الفنية.

أما الآباء فدورهم متابعة أطفالهم في مرحلة ما قبل المدرسة لمعرفة ميولهم وإهتماماتهم، ثم اختيار المدرسة المناسبة لمهاراتهم.

ذوي الاحتياجات الخاصة

الأطفال الذين يواجهون صعوبات في التعليم أو يحتاجون إلى معاملة خاصة؛ فلا يهملهم نظام التعليم أو يعتبرهم فاشلين؛ فكل مدرسة تضع إهتماما خاصا بهؤلاء الطلاب، وتخصص لهم مدرسين على قدر عالي من التعامل مع الأطفال الذين يعانون صعوبات التعلم.

فسواء كان الطفل أو الطالب يعاني إعاقة بدنية أو عقلية، ولا يستطيع التكيف مع نظام التعليم السائد؛ فإن المدارس تقدم لهم الكثير من التسهيلات والنظام التعليمي المناسب لهم، والذي ينمي مهاراتهم وقدراتهم.

الطبقية التعليمية

لكن الاهتمام والتقدير الشديدين للتعليم في سنغافورة، والمنافسة بين المدارس المختلفة، وعدم وجود نظام تعليمي موحد؛ كان سببا في ظهور النخبوية التعليمية، بمعنى تفضيل الموهوبين وخريجي المؤسسات التعليمية الراقية، خاصة مع الفروق الكبيرة في توزيع الدخل.

وهذا ما دفع الحكومة للاتجاه إلى تغيير نظام التخصصات في المرحلة الثانوية، إلى نظام الأقسام التي يلتحق بها الطالب طبقا لمستواه في المرحلة الابتدائية؛ وذلك وفقا الملحقية الثقافية السعودية بسنغافورة، في موقعها على الإنترنت.

هذا المقال جزء من سلسلة يتناول فيها «شبابيك» النظم التعليمية في أفضل الدول على مستوى العالم في التعليم، فتابعونا.

 

 

المصدر

أميرة عبد الرازق

محررة صحفية ومترجمة مصرية مهتمة بشؤون التعليم واللغات وريادة الأعمال

ميكس ميديا