عندما جاء يوم 11 سبتمبر من العام 1971 كان الطفل بشار الأسد يحتفل بعيد ميلاده السادس وسط أسرته.

لكن ذهن والده حافظ الأسد الذي كان وزيرا للدفاع والقاعد الأعلى للقوات المسلحة كان منشغلا بشيء آخر تماما.. انقلاب عسكري يدبر له في الخفاء، حتى ينفرد بالحكم في فبراير من العام نفسه.

عائلة وصلت للحكم لتبقى فيه مهما كان الثمن أو إلى أن يشاء القدر شيئا آخر، هذه هي الفكرة التي ترسخت لا شعوريا في عقل الطفل الصغير «بشار».

كان طفلا لا يعي أي شيء من شئون الدنيا، فضلا عن شئون السياسة والحكم؛ لكنه منذ أن جاء إلى الدنيا، وهو يسمع كلمات تأتيه من بعيد مثل: «انقلاب.. خطط.. صراع.. مؤامرات تحاك في الظلام».

كان والده الذي صعد من أسرة ريفية فقيرة حتى وصل إلى منصب وزير الدفاع، يأبى إلا أن ينفرد بالحكم، في بلد مثل سوريا يسيطر عليه التوتر والصراع السياسي والحزبي.

مبدأ الأسرة الحاكمة

سنوات وبدأ الطفل يكبر قليلا ويدرك  كل شيء. يتذكر جيدا كيف تحول من طفل عادي أو ابن لرجل مهم في الدولة إلى ابن الرئيس شخصيا. يذهب إلى مدرسته ويجلس بين زملاءه الأطفال في مثل عمره، وهو يرى صورة والده الرئيس معلقة أمام الكل في الفصل. تصبح حوله حراسة مشددة عند ذهابه للمدرسة، يُحرم من أن يعيش طفولة طبيعية. كل هذا يرسخ بداخل الطفل الصغير أن أسرته الصغيرة تختلف عن الكل.

بشار الأسد وإخوته في مرحلة الطفولة 
 

يتغيب والده كثيرا عن المنزل، فهو مشغول بترسيخ حكمه وتصفيه معارضيه، لكن هذا لا يغير من الأمر شيئا، فوالدته أنيسة مخلوف أخذت على عاتقها مهمة إعداد الأبناء ليرثوا والدهم في الحكم.

كان الأمر كله يتم بسرية وبعيدا عن الأضواء، فـ«مخلوف» كما تصفها تقارير إعلامية، لم تكن تحب الأضواء أو الشهرة، لكنها كانت تدير الحكم من وراء الكواليس خلال فترتي حكم زوجها وابنها.

كانت خطتها أن يتم إعداد الابن الأكبر باسل الأسد جيدا ليكون خليفة لوالده في الحكم.

يعود الطفل «بشار» يوميا إلى منزله وهو يدرك كم الفرق بين تنشئته وتنشئة أخيه الأكبر. «بشار» يبدو طفلا مطيعا يذهب إلى المدرسة، ويعود ليذاكر دروسه. كان متفوقا في دراسته حتى استطاع أن يلتحق بكلية الطب فيما بعد.

أما أخوه الأكبر فرغم أن فارق السن بينهما ليس أكثر من 3 سنوات، لكنه لم يستغرب عليه يوما طبيعة تنشئته المختلفة. دروس في الفروسية، ودروس رياضية، ليبدو رشيق القوام وفارس أحلام الفتيات، ثم مشاركة في العمل العام والسياسي، وتلميع إعلامي وتقديمه للشباب باعتباره نموذج القائد الشاب الذي سيأخذ البلاد نحو نهضة تكنولوجية، وأخيرا المزج بين دراسته للهندسة ودراسته في الكلية العسكرية، لتكتمل بذلك الوصفة السرية لخليفة الرئيس.

باسل الأسد
 

وحينما وصل «بشار» لسن الشباب، أدرك أن الأمر لم يكن مجرد رغبة العائلة في توطيد حكمها فقط، بل إنه الواقع السياسي وسيطرة حزب البعث الاشتراكي العلوي على الحكم، بقيادة حافظ الأسد.

فـحافظ الأسد هو أول رئيس علوي لسوريا، وقد تزوج من أنيسة مخلوف ابنة العائلة الثرية، في مزج بين السلطة والنفوذ الاقتصادي، كما تقول شبكة «سي إن إن». حتى إن والد «أنيسة» كان معارضا لهذا الزواج، ويقال أن هناك من تدخل لإتمام الزواج، حتى تستب الأمور للحزب العلوي.

العائلة الحاكمة كانت شيئا ترسخ في ذهن «بشار» إذُا، فموقع «The Economist» يذكر أن «مخلوف» ظلت حتى وفاتها واحدة من الأشخاص القلائل الذين يستشيرهم «بشار» في إدارة الأزمة السورية الحالية.

ويذكر الموقع نفسه أن رجل الأعمال رامي مخلوف ابن خال «بشار» هو أغنى أغنياء سوريا اليوم ويسيطر على اقتصادها، أما ماهر الأسد شقيق «بشار» فهو العقل المدبر وراء الحلول العسكرية التي يلجأ إليها «بشار» في إدارة الأزمة السورية.

خليفة والده بالصدفة

بشار رئيسا خلفا لوالده حافظ الأسد
 

تمر السنوات وتحدث المفاجئة التي ربما أربكت الشاب «بشار» نفسه، يموت «باسل الأسد» في حادث سيارة في العام 1994. وكان من الطبيعي جدًا أن يستجيب «بشار» للأمر الواقع، ويقطع دراسته بلندن ويعود إلى دمشق، ليتم إعداده ليكون خليفة أخيه ووالده.

وفي ظل عائلة تتعامل مع سوريا كأحد أملاكها، كان لابد لها أن يتم الأمر بسرعة، فالأب يعاني سرطان الدم ومشاكل في القلب، وتم تعديل الدستور، ليتناسب سن المترشحين للرئاسة مع عمر «بشار»، كما تذكر شبكة «بي بي سي».

وهنا يبدأ «بشار» في رسم ملامح شخصيته كرئيس قادم، جاء ليكون ظلًا لوالده، يسير على نفس خطاه التي تشربها في طفولته.

الحل الوحيد للاستقرار

لم ينشأ «بشار» في ظروف مستقرة، فقد وُلد والبلد تتعرض لأكثر من انقلاب عسكري، كان آخرها ذلك الذي قاده والده حافظ الأسد عام 1971 لتحكم أسرته البلاد من بعده.

كان «بشار» في بداية شبابه منصرفا عن أمور السياسية كليا، ومُسلما بأن أخيه الأكبر هو من سيرث والده، لكن هذه العائلة التي تتشارك كل شيء حتى حكم البلاد، رسخت في ذهنه أن عائلته هي البديل الأوحد للاستقرار، وإن وصل الأمر للتخلص من جميع الخصوم؛ في بلد تشتعل بالحرب الأهلية والمواجهات المسلحة بين الفصائل المعارضة والحزب الحاكم.

هذه هي الطريقة التي رأى بها «بشار» والده يصل إلى الحكم؛ فـحافظ الأسد لم يكن ليقبل بأي شريك لا يرتضيه في الحكم، حتى ولو على حساب شعبه.

لم تكن مصر نفسها بمعزل عما يحدث في سوريا في زمن حافظ الأسد، ففي هذا الفيديو يصف الرئيس الراحل أنور السادات، حافظ الأسد بأنه مستعد للتعاون مع الروس في سبيل بقاءه في السلطة هو وطائفته العلوية ضد رغبة شعبه السوري.

فقبل أعوام من اليوم وفي خضم الأزمة السورية، انتشر هذا الفيديو عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في إشارة إلى أن «بشار» يخطو على خطى والده في التخلص من جميع الخصوم في سبيل بقاءه هو وحده في السلطة.

المدنيين كبش الفداء

مجزرة حماة 1982

عندما كان «بشار» في السابعة عشرة من عمره، كان مدركا لما يقوم به والده تمامًا. مجزرة متكاملة الأركان ينفذها حافظ الأسد وأخوه العميد رفعت الأسد في العام 1982 والتي عرفت بـ«مجزرة حماة».

تترامى إلى مسامع الشاب الصغير، أقاويل حول ما ينتوي عمه ووالده القيام به، إبادة جماعية لمدينة. إبادة جماعية لمدينة حماة، وقصف المنازل بالطائرات.

فبعد أن هاجمت عناصر من الإخوان المسلمين كمائن الجنود السوريين واستهدفوا رجال الحكومة من المواليين للنظام، في وقت كان الإخوان يشكلون أقوى جبهة للمعارضة، وفيما عرف بـ«تمرد الإخوان»، لم يجد حافظ الأسد حلا سوى تدمير المدينة بالكامل ودخولها بالدبابات، والتي اعتبرت أكبر معاقل الإخوان المسلمين في ذلك الوقت؛ وفقا للجنة السورية لحقوق الإنسان.

«كنت أخاف من أن أخرج جثمان جدتي للشارع خوفا من أن ينهشها الكلاب»، هكذا تحدثت إحدى شهود المجزرة وفقا لما نقلته «اللجنة السورية».

ما أشبه اليوم بالبارحة، يقول تقرير لـ«The Economist» إن العقل المدبر للعمليات العسكرية في سوريا بعد الثورة، هو ماهر الأسد شقيق «بشار»، والتي تتبع نفس السياسة في استهدافها للعناصر المتطرفة.​​​​​​​



المصدر


 

0
0
0
0
0
0
0

شارك المقال


محررة صحفية مصرية مهتمة بشؤون التعليم واللغات وريادة الأعمال