ما الذي جعل عمر بن عبدالعزيز وهو الخليفة الثامن في الدولة الأموية يلقب بخامس الخلفاء الراشدين، وما الذي جعل السيوطي وغيره من علماء المسلمين يعتبرونه أول مجدد للدين في نهاية القرن الأول الهجري، وهو الذي لم يشتغل بتأليف الكتب ولا تدريس العلوم.. فكيف كانت أنماط التجديد عند عمر؟

النشأة والاجتهاد العلمي المبكّر

نشأ عمر في المدينة المنورة، وقد ساعد المناخ العلمي فيها أن يبلغ مرحلة الاجتهاد العلمي في وقت مبكر من عمره، حتى ليصفه ميمون بن مهران كما جاء في طبقات ابن سعد «كان معلم العلماء»، وأسهمت تنشئة المدينة في مخالطته لمعارضي الدولة التي هو أحد أمرائها حيث كانت تمتلئ بالساخطين على حكم بني أمية. 

في الخامس والعشرين من عمره، تولى عمر إمارة المدينة وعلى عكس ما سار عليه الأمويون، اختار عشر رجال من فقهاء المدينة وقادة الرأي فيها ليصنع بهم مجلسا للشورى، وحدد عمله في «معاونة الوالي على الحق، والتنبيه على المظالم والتحديات والحيلولة دون الوالي والانفراد بالقرار» وقال لهم: ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم.

الأمويون قبل ولاية عمر على المدينة كانوا ينفقون من أموال الصدقة على إيقاد المجامر والبخور في المسجد ويطيبونه بالطيب لأجل الروائح، فلما تولى عمر منع ذلك وطلب محو آثاره، وفي ظل ولايته عادت المدينة لتصبح حرما آمنا للمسلمين يفر إليها  كل مظلوم، فتوجه إليها من ضاقت بهم العراق هربا من ظلم الحجاج بن يوسف الثقفي. 

الإسلام ومرتكب الكبائر.. لماذا لن يُكفر الأزهر «داعش»؟ 

يبتعد ويقترب في الوقت المناسب

وكتب عمر إلى الخليفة الوليد بن عبدالملك يشكو إليه ظلم الحجاج لأهل العراق، وزادت كراهية الحجاج لعمر فحذر الخليفة من لجوء الناس إلى المدينة لأن في هذا ضعف للدولة، فطلب الوليد منه ترشيح ولاة لمكة والمدينة  فكان عثمان بن حيان للمدينة وخالد بن عبدالله القسري لمكة، وغادر عمر المدينة منفيا داعيا «اللهم قد امتلأت الدنيا ظلما وجورا فأرح الناس».

لم يرجع عمر ليقترب من دائرة الحكم إلا بعد موت الوليد وتولي سليمان بن عبدالملك الذي قرب كل المبعدين في عهد الوليد، لأنه حاول إزاحته عن الخلافة من قبل، ولم يتوقف عمر بن عبدالعزيز عن نقد السياسات الحاكمة  ولما احتج والي مصر أن هذه تنفيذ لرؤى الخليفة  قال له عمر« إن الخليفة لن يغني عنك من الله شيئا».

خطة تولي الخلافة

ولم يكن عمر ليصل للخلافة بعد ذلك إلا بسبب إقناع رجاء بن حيوة لسليمان بن عبدالملك في فترة مرضه  أن يعهد له بالخلافة من بعده، إلا أن سليمان تيقن من معارضة أمراء بني أمية فجعل الخلافة من بعده لعمر ثم ليزيد بن عبدالملك ليقلل من سخطهم، وطلب منهم المبايعة لمن عهد إليه دون علمهم بالمعهود إليه.

تولى عمر وجاؤوا إليه بموكب ركوب الخليفة من الخيل والبغال والدواب ذوات الحمل الثقيل لكل منها سائس خاص فرفض وقال دابتي أوفق لي، دخل قصر الخلافة فوجد الفرش التي تبسط للخليفة في مجلسه فرفض الجلوس عليها، ثم ذهب للمسجد وصعد المنبر وسمع منه الناس كلاما غير ما اعتادوا قبله من طلب السمع والطاعة وما شابه.

الخليفة يتحدث بلغة لم يعهدها الناس من قبل

بدأ عمر حكمه بلهجة جديدة لم يعرفها الناس عن الحكام الأمويين «لست بقاض ولكني منفذا ولست بخيركم ولكني رجل منكم غير أن الله جعلني أثقلكم حملا، ألا وإن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بعاص، ولكن الإمام الظالم هو العاصي!»

وجرت العادة في المسجد أن يجلس الأمراء والخاصة في الصفوف الأولى ثم يُترك فراغ ليفصل بينهم وبين العامة، فلما لاحظ ذلك أشار إلى الناس أن تقدموا واختلطت المجالس.

«لقد توليت أمر هذه الأمة أسودها وأحمرها فذكرت الغريب القانع الضائع والفقير المحتاج والأسير المقهور وأشباههم في أطراف الأرض  فخفت على نفسي حساب الله عن هؤلاء الناس» هكذا يقول عمر لزوجته التي تمنت بُعده عن الخلافة والحكم.

المعتزلة بين التاريخ والحاضر.. محاولة للفهم

عمر يعاقب والي خرسان حين أخطأ

وهدد أمراء أسرته بالذبح إن حالوا بينه وبين انتزاع الأموال من أيديهم لردها على الفقراء، فقال «إن لله في بني مروان ذبحا، وأيم الله لو كان ذلك الذبح على يدي»، ولما امتنع والي خراسان عن أداء حقوق بيت المال وضعه عمر في السجن  وقال «ما أجد في أمرك إلا حبسك، فاتق الله وأد ما قبلك، فإنها حقوق المسلمين ولا يسعني تركها»، وقال لمن حوله «هؤلاء جبابرة، وأنا لا أحب مثلهم».

ينزع العصبية فيجتمع حوله الجميع

وحين تولى عمر الخلافة كانت تشيع الصراعات القبلية في المجتمع وترتفع النعرات العنصرية بين العرب والموالي وتكثر تيارات المعارضة للدولة، وهنا كانت مناطات التجديد الديني التي أبرزت عمر بن عبدالعزيز وتمحورت حول مشروعه الأكبر «رد المظالم ونزع العصبية» وتصدر به كواحد من أهم المجددين بل أولهم.   

فمن يصدق أن خليفة أموي يحبه الهاشميون ويتعلق به آل البيت ويمدحه شعراء الشيعة؟ فحينما تولى بنو أمية الحكم حرموا بني هاشم من عطائهم فعانوا من الفقر، فرد عليهم عمر ما يستحقون وعوضهم عن بعض ما لاقوه ممن سبقوه، وأمر بتقسيم عشرة آلاف دينار في أولاد علي بن أبي طالب من فاطمة قائلا إنهم طالما تخطتهم حقوقهم، ورد إليهم ممتلكاتهم التي انتزعت من أيديهم.

وقبله قرر الأمويون لعن علي بن أبي طالب فوق المنابر وعلى الحضور أن يؤمنوا إجبارا، فأبطلها عمر وجعل مكانها الآية القرآنية «ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا» ومدحه الشاعر الشيعي كثير عزة في ذلك.

لا تفضيل لعربي على غيره 

وفي الحقوق والواجبات ساوى عمر بين الموالي والعرب في العطاء والرزق والكسوة، بعد أن بلغت العصبية بينهم حد التفريق في الزواج إذا كانت المرأة عربية والرجل من الموالي، بل حذر الحجاج أن يؤم غير العربي المسلمين في الصلاة.

جهاز استخباراتي يرصد أحوال الناس

وأعفى عمر المظلومين من الإذن في الدخول عليه، فقال «ومن ظلمه عامله فليس عليه مني إذن، فليأتني»، وكان يرسل الثقاة ممن حوله إلى الأقاليم يستكشفون أحوال الناس وأخبار الولاة.

ورغم أنه تولى الخلافة بالميراث وليس بالشورى والاختيار العام، ومع ذلك اعترف به المعتزلة وعاونوه وجعلوه واحدا منهم في الطبقة العاشرة من طبقات المعتزلة عند القاضي عبدالجبار.

فاستعان بالحسن البصري قاضيا للبصرة، وكان يمتنع قبل ذلك على وظائف الدولة الأموية، وكثرت المكاتبات بينه وبين غيلان الدمشقي المتكلم المعتزلي والناقم على الحكم الأموي في بلاد الشام.

الحكمة سلاحه ضد المتشددين

أما الخوارج الذين انتهجوا العنف منذ التحكيم بين علي ومعاوية في صفين، فقد أرسل إلى قائدهم يطلب المناظرة معهم وتعهد إليهم بإعادة النظر إن كانوا على صواب قائلا «إن كان الحق بأيدينا دخلتَ فيما دخل فيه الناس وإن كان في يدك نظرنا في أمرنا».

ومن أبرز ما اعترضوا عليه، أن يزيد بن عبدالملك سيتولى الخلافة بعد عمر، وهذا الأمر أقره الخليفة السابق سليمان بن عبدالملك قبيل موته، فطلب منهم ثلاثة أيام للنظر فيما يريدون، ورجعوا من حيث جاؤوا آملين في التغيير، حتى أنهم لما سئلوا  بعد لقائهم «ماذا تنقمون على عمر؟»، قالوا «ما ننقم عليه إلا أنه لا يلعن من كان قبله من أهل بيته وهذه مداهنة منه».

وفوجئ الخوارج بجيش الدولة يهاجمهم قبل انقضاء المدة، فتعجبوا قبل أن يعلموا أن أمراء بني أمية قد غضبوا لمسعى عمر في تغيير نظام الوراثة في الخلافة ودسوا له السم في الطعام ومات في الأربعين من عمره.

1
0
0
1
0
1
0

شارك المقال