كتب- محمد أحمد

ربما لا يعرف كثيرون أن كوكب الشرق أم كلثوم كانت لها تجربة مع أغنية حملت «ألفاظاً ومعاني إباحية». الأغنية كانت من تلحين صبرى النجريدي، وكلمات يونس القاضي، وسميت بـ«أنا الخلاعة والدلاعة مذهبي» وطُرحت في منتصف العشرينيات من القرن الماضي.

أم كلثوم سارعت بجمع اسطوانات الأغنية من الأسواق ودفعت تعويضاً لشركة الانتاج، وذلك بناء على نصيحة عدد من المقربين منها وعلى رأسهم الشاعر الغنائي أحمد رامي

لكن الأغنية لا يمكن نزعها من سياقها التاريخي في وقت كان المطربون يلعبون على إثارة الحواس. ويقول فتحي غانم في كتابه «الفن في حياتنا» إن المغني في مصر كان يثير الناس ويطربهم بشيء اسمه «الهنك والرنك» وهي الميوعة والطراوة في الغناء، التي كانت سائدة منذ أيام الخديوي إسماعيل وحفلاته الباذخة.

كان المغني يقضي عشر ساعات متتالية وهو يتلاعب بصوته مردداً جملة أو شطراً من قصيدة. وشرح «غانم» أن منيرة المهدية كانت تثير حواس المستمعين ببحة في صوتها فيها طابع جنسي يشبه بحة الأغاني التي يغنيها الأمريكيون اليوم في أغانيهم الراقصة.

في هذا السياق كانت أم كلثوم في بداياتها الفنية، واضطرت لغناء هذه الأغنية في إطار المنافسة مع مطربات ومطربين جيلها، وتقول كلماتها:

الخلاعة والدلاعة مذهبي

من زمان أهوى صفاها والنبي

لما يخطر حبي عندي بمشيته

تلقى قلبي له يميل من فرحته

شوف دلاله ولا قده وطلعته

تفرح القلب يا ناس كده والنبي

غاب وجاني شفت نوره وبهجته

والفؤاد نعنش وزادت فرحته

والزمان آنس منامي برجعته

تفرح القلب يا ناس كده والنبي

زارني ليلة والقمر باهي السنا

قاللي مين أحلى؟ القمر ولا أنا

والحبيب إن لاح جبينه ف حينا

يفرح القلب يا ناس كده والنبي

الغضب ده ليه على أهون سبب

وانت عارف الحب أحواله عجب

يا حبيبي ده الرضا بعد الغضب

يفرح القلب يا ناس كده والنبي

وتروى الدكتورة إيمان مهران في كتابها «شيخ المؤلفين محمد يونس القاضي» أن أم كلثوم سارعت بجمع اسطوانات الأغنية من الأسواق ودفعت تعويضاً لشركة الانتاج، وذلك بناء على نصيحة عدد من المقربين منها وعلى رأسهم الشاعر الغنائي أحمد رامي.

وعادت أم كلثوم وغنت الأغنية بعدما أجرى أحمد رامى عليها تعديلاً فأصبح مطلعها يقول «الخفافة واللطافة» بدلا من «الخلاعة والدلاعة».

ويونس القاضي هو مكتشف أم كلثوم وربما يكون ذلك هو سبب عدم رفضها لأغنية «أنا الخلاعة والدلاعة مذهبي». روت «مهران» أن «القاضي» سافر إليها في قريتها «طماي الزهايرة» بالمنصورة، وأقنع والدها الشيخ إبراهيم بالرحيل إلى القاهرة والتحول إلى غناء القصائد والأغاني العاطفية والوطنية بجانب الانشاد الديني، ولكن الشيخ إبراهيم لم يوافق.

مرت الأيام، والتقاهم «القاضي» في مولد الحسين وكان معه الشيخ سيد درويش وعرض عليها أن يقدم لها الألحان مجاناً إلا أن والدها رفض رفضاً باتاً.

ظل «القاضي» يلح على والدها إلى أن وافق أن تغني قصائد عبده الحامولي ومنها أغنية «وحقك أنت المنى والطلب» وبعدها لحن لها محمد عبد الوهاب أغنية خفيفة من تأليف يونس القاضي مطلعها «قال أيه حلف ما يكلمنيش»، وسرعان ما اشتهرت بها حتى أصبحت تنافس منيرة المهدية «سلطانة الطرب» في زمانها.

المفارقة الغريبة أن مؤلف هذه الأغنية كان سبباً في شطبها بعد ذلك. وذكرت «مهران» أن يونس القاضي فور توليه منصبه كمراقب على الأعمال الفنية أصدر قرارات بشطب ومنع كل الأغاني التي تمس العفاف والمشاعر ومنها أغنية «الخلاعة والدلاعة» وأغنيات أخرى كان قد كتبها لمنيرة المهدية وبهية المحلاوي وسيد درويش.

وكان «القاضي» يرى أن الواجب الوطني الذي ارتبط بمسؤوليته عن وقف تدهور الأغنية الذي شارك بنصيب فيه أهم من أي شيء حتى الذات والمصلحة الخاصة، حسبما ذكرت مؤلفة كتاب «شيخ المؤلفين محمد يونس القاضي».




0
0
1
0
0
0
0

شارك المقال