ربما لا يعرف كثيرون عن جزر المالديف أكثر من كونها مقراً للفنادق الفخمة، ومكاناً مفضلاً لاستجمام الفنانين والفنانات وأثرياء القوم بعيداً عن عيون الناس وملاحقة الكاميرات.

وربما جعلت صور الفنانات، الملتقطة على اليخوت في هذه الجزر وهن في حالة استرخاء تام، كثير من الناس يغفلون عن أن أهل المالديف مسلمون مائة بالمائة ومحافظون بدرجة كبيرة، وأن علاقتهم بالإسلام ممتدة إلى مئات السنين.

الرحالة المغربي ابن بطوطة زار هذه البلاد التي كان يعرفها المسلمون بـ«محل ديب» أو «ديبة المهل»، وتحدث عن أحوال سكانها وعادات أهلها. ودوّن محمد بن جزي الكلبي هذه المشاهدات في كتابه «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار».

وابن بطوطة هو محمد بن عبد الله بن محمد اللواتي الطنجي. وهو رحالة ومؤرخ وقاضِِ وفقيه مغربي أمازيغي لقب بـ«أمير الرحالين المسلمين».

خرج من طنجة سنة 725 هـ فطاف بلاد المغرب ومصر والسودان والشام والحجاز وتهامة ونجد والعراق وفارس واليمن وعمان والبحرين وتركستان وما وراء النهر وبعض الهند والصين الجاوة وبلاد التتار وأواسط أفريقيا.

أهل تقوى

عندما حل ابن بطوطة بهذه الجزر في منتصف القرن الـ14 الميلادي أعجب بصلاح أهلها وتقواهم، وقال عنهم إنهم أهل صلاح وديانة وإيمان صحيح ونية صادقة، وأكلهم حلال ودعاؤهم مجاب. وإذا رأى الإنسان أحدهم قال له: الله ربي ومحمد نبيي وأنا أمي مسكين.

وأكثر ما استرعى انتباه ابن بطوطة هو سلميتهم فقال «لا عهد لهم بالقتال والمحاربة، وسلاحهم الدعاء».

نساء المالديف

وفقاً لما أورده ابن بطوطة كان أكثر نساء هذه الجزائر لا يلبسن سوى «فوطة واحدة تسترهن من السرة إلى أسفل»، وسائر أجسادهن مكشوفة، وكن يمضين كذلك في الأسواق وغيرها.

وجهد ابن بطوطة لما ولي القضاء بها أن يقطع تلك العادة ويأمرهن باللباس فلم يوفق. وقال «لقد جهدت لما وليت القضاء بها أن أقطع تلك العادة وآمرهن باللباس فلم أستطع ذلك. وكانت لا تدخل إلي منهن امرأة في خصومة إلا مستترة الجسد، وما عدا ذلك لم تكن لي عليهن قدرة».

ومما عجب له الرحالة في هذه البلاد أن النساء كن يؤجرن أنفسهن للخدمة بالديار مقابل خمسة دنانير فما دونها، وعلى مستأجرهن نفقتهن، ولا يرين ذلك عيباً، ويفعله أكثر بناتهم، فتجد في دار الغني منهم العشر والعشرين، وكل ما تكسره من الأواني يحسب عليها قيمته.

ولأهل هذه البلاد عادات غريبة في الزواج حيث كان ميسوراً، يقول الرحالة «بهذه الجزائر سهل لنزارة الصداق وحسن معاشرة النساء. وأكثر الناس لا يسمي صداقاً، إنما تقع الشهادة ويعطى صداق مثلها. وإذا قدمت المراكب تزوج أهلها النساء، فإذا أرادوا السفر طلقوهن، وذلك نوع من نكاح المتعة».

التونة وتأثيرها الجنسي

وبحسب ابن بطوطة فإن أهالي هذه الجزر يعتمدون كلياً على أشجار جوز الهند. ويستخرجون منها الحليب، والعسل، والزيت، ويصنعون من ليفها الحبال والمراكب.

وتوقف الرحالة عند الطعام الأساسي لأهل الجزر وهو سمك التونة، قائلاً «يسمونه قلب الماس ولحمه أحمر ولا زفر له».

ويؤكد دور التونة في العملية الجنسية سارداً في ذلك تجربته الشخصية «للسمك الذي يتغذون به قوة عجيبة في الباءة (الجنس) لا نظير لها. ولأهل هذه الجزائر عجب في ذلك. ولقد كان لي بها أربع نسوة وجوارِِ سواهن فكنت أطوف على جميعهن كل يوم وأبيت عند من تكون ليلتها. وأقمت بها سنة ونصف أخرى على ذلك».

سلطانة البلاد

لم يشأ الرحالة المغربي البقاء في «محل ديب» بعد أن أثارت علو مكانته بين الناس الريبة في نفوس كبار القوم، فغادرها إلى جزيرة سيلان

آل حكم هذه الجزر إلى السلطانة خديجة بنت جلال الدين البنجالي حين لم يبق من بيت الملك غيرها وأختان لها. وذكر أن الأوامر كانت تُنفذ باسمها وتُكتب في سعف النخيل، وأن خطيب يوم الجمعة كان يدعو لها بهذا الدعاء «اللهم انصر أمتك التي اخترتها على علم على العالمين، وجعلتها رحمة لكافة المسلمين».

وقربته السلطانة وزوجته بنات أكابر القوم وولته القضاء. وكان ابن بطوطة صارماً، فأبعد عنه قلوب بعض الوزراء والعيان في الجزر.

ولم يشأ الرحالة المغربي البقاء في «محل ديب» بعد أن أثارت علو مكانته بين الناس الريبة في نفوس كبار القوم، فغادرها إلى جزيرة سيلان، ثم إلى ساحل الهند الشرقي فإقليم بنجالة فشبه جزيرة الملايو فسومطرة.

 




المصدر

كتاب «الرحالة المسلمون في العصور الوسطى». زكي محمد حسن.

1
0
0
0
0
0
0