في زمن بعيد؛ يعود لما قبل القرن الخامس قبل الميلاد؛ كانت اليونان القديمة، وتحديدا أثينا هي أول مدينة تطبق الديمقراطية في العالم.

فلوقت طويل كانت تجربة أثينا في الديمقراطية ونظامها السياسي، مرجعا للحضارات في العالم القديم والحديث؛ فمن أثينا خرجت الكلمة الشهيرة «Demoskratia» للمرة الأولى، وهي كلمة يونانية تقابل الديمقراطية أو «حكم الشعب».. ومنها أيضا خرجت كلمة «Polis» وهي أصل كلمة «Politics» الإنجليزية، والتي تعني السياسية.

فما قصة هذه المدينة التاريخية العجيبة، التي جمعت بين الفن والفلسفة والسياسة وحقوق الإنسان؟

ديمقراطية أثينا لحماية الأثرياء 

هناك نظرية تقول إن الديمقراطية في أثينا نشأت، بشكل مختلف تماما عن معناها الحالي، فقد أرادت طبقة كبار الملاك والأثرياء أن يقتحموا السياسة ليتمكنوا من المشاركة في القرارات السياسية بما يخدم أملاكهم ومصالهم الخاصة؛ كما يقول أستاذ التاريخ القديم بجامعة كامبردج «بول كارتليدج» في مقال له بـ«BBC History».

يتسائل أستاذ التاريخ فيقول كانت الديمقراطية تعني حكم الشعب، لكن أي شعب يقصدون؟ فإذا صحت هذه النظرية؛ فإن الديمقراطية في بدايتها كانت شيئا أقرب للديكتاتورية، ولحماية «شعب الأثرياء» من «حكم الغوغاء».

وقد نبعت هذه «الديمقراطية» بسبب طبيعة اليونان، فقد كان مقسما إلى عدة مدن تطل على البحر المتوسط، ولكن مدينة حكمها الذاتي، يحكمها الفرد ثم توسع الأمر لحكم العائلة، ومع مرور الوقت وتعاظم ممتلكات الأثرياء، بدؤوا يطمعون إلى المشاركة بالحكم لحماية مصالحهم؛ فكان هناك «مجلس النبلاء» الذي يدير المدينة ويتخذ القرارات.

آباء الديمقراطية في أثينا

لم يستمر الأمر كثيرا بهذا الشكل، فمنذ القرن السادس قبل الميلاد، كان هناك أكثر من إصلاح فيما يخص حرية وحقوق الإنسان في أثينا؛ كما نسميها اليوم.

​​​​​​​تشريعات رجل القانون الإغريقي «سولون» في القرن السادس قبل الميلاد، قللت الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وسمحت للطبقة الوسطى بالصعود والمشاركة السياسية، وهو الشيء الذي مهد للديمقراطية الكاملة.
​​​​​​​

أبرز هذه الإصلاحات جاءت على يد رجل يدعى «سولون».. كان أحد نبلاء القصر؛ لكنه لم يكن حاكما، كان شاعرا ورجل قانون، استطاع أن يؤسس لبعض التشريعات التي تنتصر للشعب في مواجهة ظلم الملك أو طبقة النبلاء، مثل قانون لإسقاط الديون عن الفقراء، وتمكينهم من امتلاك الأراضي الزراعية، وإسقاط مفهوم الجريمة السياسية.

تشريعات «سولون» قللت الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وسمحت للطبقة الوسطى بالصعود والمشاركة السياسية.

ومن بعد «سولون» جاء «كليسثينيس» أحد النبلاء أيضا الذي أنشأ مجلسا يضم 500 فرد بالانتخاب، وهو أشبه بالمجلس التشريعية، وقسمه لعدة لجان تكون مسئولة عن إدارة شئون الدولة.

ثم وضع «كليسثينيس» قانون لا يقل أهمية هو «حق الجنسية» وذلك لجميع المواطنين الذين يقيمون في أثينا، فقراء أو أغنياء.

وهكذا أصبحت أثينا جاهزة لتجربة ديمقراطية تشرك أفراد الشعب، بدلا من أن يتولى الحكم عنهم النبلاء أو مجموعة من السياسيين.

معركة «مارثون» وديمقراطية الفقراء

كان الفيصل الذي اتنزع «الديمقراطية» من طبقة الأغنياء أو مجموعة السياسيين، إلى حق أصيل للشعب، هو معركة «ماراثون» في عام 490 قبل الميلاد.

كانت أثينا مهددة باجتياح الفرس لها، بقيادة الإمبراطور « داريوس الأول» الذي نجح في غزو منطقة الشرق في ذلك الوقت، والسيطرة على حضارة بحجم بابل.

جيش الفرس كان أغلبه مكون من المرتزقة، بينما ضم جيش أثينا في هذه المعركة الحرجة الفقراء بجانب الأغنياء، الذين دافعوا عن أرضهم وثقافتهم، التي أرادوا أن ينشروها في أنحاء العالم.

كان لقاء الجيشين في سهل «ماراثون».. وكان انتصار الإغريق في هذه المعركة الحاسمة سببا في شعور أبناء الشعب بقوتهم وتأثيرهم، ومطالبتهم أخيرا بقوة وثقة، بالمشاركة في القرارات التي تخص مصير المدينة التي دافعوا وقٌتل أهلهم وأحبائهم دفاعا عنها.

فمعركة «ماراثون» كانت من الأهمية التي جعلتها إحدى الملاحم  التي صيغت فيها الأساطير والملاحم القديمة لتخليد النصر، والضحايا على السواء؛ حتى إن اسم السباق الشهير «الماراثون» جاء تخليدا لأسطورة تحكي عن جندي إغريقي، كانت مهمته تتلخص في أن يجري بمسافات قياسية من هذا السهل إلى أثينا، ليوصل الرسائل الخاصة بحالة الجيش والإمدادات اللازمة له؛ وهو الشيء الذي ساعد على انتصار أثينا أمام الفرس.

نظام الديمقراطية في أثينا

بعد الانتصار الكبير، لم تعد هناك ديمقراطية إلا للشعب، وقد وضعت لها أسس وقواعد خاصة، كانت أساس للنظم السياسية في العالم، لكنها لم تخلُ من عيوب.

فلكي يشارك الشعب كله في القرارات المصيرية ، كان لا بد أن يكون متفرغا للسياسة، وهذا يعني ضرورة وجود الكثير من العبيد لآداء أغلب المهام والأعمال، التي تطلب مجهودا ووقتا كبيرا.

وكان الشرط الثاني للديمقراطية هو استثناء العبيد والنساء من المشاركة السياسية، ومعهم الأجانب المقيمون في أثينا للتجارة أو لأي أعمال أخرى.

وهناك شروط أخيرة يجب أن تنطبق على الرجل الحر، فيجب أن يكون سنة أكبر من 18 عاما، ومن والدين يحملون الجنسية الأثينية.

  • كيف كان يجري التصويت في أثينا؟

وبعد هذه الشروط، كان المواطنين الذين يملكون حق التصويت، يصلون إلى ما يقرب 6 آلاف شخص، وهو رقم كبير جدا بمقاييس ذالك الزمان. وكان  هذا الرقم كان يضم أهم رجال في الدولة كذلك، بجانب أفراد الشعب.

هؤلاء الأشخاص مطلوب منهم التصويت أربع مرات في الشهر، على القرارات المهمة التي تخص المدينة.

احتشاد كل هؤلاء الأشخاص للتصويت، بمثابة الاحتفال الكبير، يجتمعون في مجلس مخصص لهم بأعلى تل «بنيكس» بأثينا، كما تذكر موسوعة «History World».

ومن حق كل مواطن أن يبدي رأيه في جميع الأمور التي يناقشها المجلس. ووسط هذا الحشد الضخم من الناس والذي لا يمكن السيطرة عليه، كان المتكلمون عادة هم عدة أشخاص من السياسيين المعروفين؛ مما يجعل هذا المجلس أشبه بالاستفتاء الشعبي، لمعرفة الرأي العام.

أما الكلمة الأخيرة، فتكون لمجلس آخر مكون من 500 عضو، ومن بعدهم مجموعة أخرى تدير هذا المجلس المُصغر، وأشبه بلجنة مكونة من 50 شخص، يتم اختيارهم من القبائل المشكلة للمجتمع الأثيني، وليس من طبقة النبلاء.

الديمقراطية من أثينا للعالم الحديث

كانت فكرة الديمقراطية ونظام أثينا السياسي، من القوة التي جعلتها تنتشر إلى بلاد وحضارات مجاورة، كان أولها روما؛ خاصة عندما نعرف أن فيلسوف مثل أرسطو كتاب «السياسات» الذي يتحدث فيه عن النظم السياسية ومبادئ الديمقراطية في اليونان، وقد ترجم هذا الكتاب إلى لغات عديدة – منها اللغة العربية- وكان الكتاب مرجعا هامة للمبادئ السياسية في العصور القديمة وعصور الحداثة الأوروبية.

فعندما نقرأ في تجربة النهضة الأوروبية سنجد أنها اعتمدت كثيرا على الحضانة والثقافة اليونانية القديمة، سواء في الأدب أو الفن، حتى فن المسرح قد استلهمة الأوروبيون من الإغريق.

وبالمثل كانت السياسة والتجارب الديمقراطية، فقد كانت أول دولتين تطبقان الديمقراطية المبكرة في العالم الحديث، هما فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية؛ وقد استلهما الفكرة من إرث اليونان القديم؛ وفقا لتقرير «BBC History».

 




0
0
0
0
0
0
0

شارك المقال


محررة صحفية مصرية مهتمة بشؤون التعليم واللغات وريادة الأعمال