هل فكرت يوما في البحث عن المنقذ الذي تسبب في ترجمة الأفلام الأجنبية إلى اللغة العربية؟ آلاف الأعمال في السينما الأجنبية تحولت إلى الصبغة العربية بفضل مهندس مصري أخذ على عاتقه إنهاء معاناة المصريين والعرب مع الترجمة.

استطاع الراجل أنيس عبيد فتح الباب للمصريين على السينما العالمية بترجمة الأفلام الأجنبية للغة العربية كأول مصري يقوم بهذا العمل.

ترك «عبيد» الهندسة التي سافر من أجلها إلى الخارج، وأخذ على عاتقه إنهاء تلك المأساة التي كان يعانيها المصريون في الماضي أثناء مشاهداتهم للأفلام الأجنبية والتي لم تكن مترجمة، وتم ترجمتها أحيانا بشكل مهترئ وغير متواكبة مع أحداث الفيلم.

حكاية «عبيد» رواها عمر طاهر في كتابه «صنايعية مصر...».​​​​​​​

​​​​​​​

فانوس سحري

قبل عام 1944 كان طالب الهندسة المصري أنيس عبيد يعشق مشاهدة السينما الأجنبية. كان ينتقل من دار عرض إلى أخرى يتابع كل ما هو حديث على الشاشة، لكنه لم يكن في أسعد حال، والسبب هو مأساة ترجمة هذه الأفلام.

يقول طالب الهندسة: «لا يمكن لشخص لم يعاصر الأفلام الأجنبية في مصر مع بداية الأربعينيات أن يتخيل المأساة التي كنا نعيشها، كانت تظهر ترجمة ركيكة مقتضبة على شاشة جانبية صغيرة ضعيفة الإضاءة، لكنها كانت تكتب على شريط مستقل يعرض بواسطة فانوس سحري، ويتولى أحد موظفي السينما تحريك الشريط يدوياً حسب سير حوادث الفيلم الذي يمر أمامه، ولا يمكن لشخص مهما بلغت ثقافته وسرعة بديهته أن يقوم بهذه العملية، فما بالك بموظف يجهل اللغتين العربية والإنجليزية؟!».

وبحسب عبيد المولود في عام 1908 «كان المتفرج يصاب بدوار وصداع لأنه يضطر إلى تحريك رأسه ذات اليمين وذات اليسار، مرة لمشاهدة لقطة خاطفة من الفيلم، ومرة لقراءة ما يسمى مجازاً بالترجمة، وهي في الغالب شيء لا علاقة له بما يدور على الشاشة، فهي إما سابقة له أو لاحقة».

ظل «عبيد» يفكر في حل ما لهذه المأساة المتكررة حتى أنهى دراسة الهندسة. ويوم أن وضع قدمه في باريس ليبدأ مشوار الحصول على الماجستير قادته الصدفة إلى الحل.

من الهندسة إلى الترجمة

في مقر الجامعة قرأ طالب الماجستير إعلاناً بالصدفة عن دورات تدريبية لـ«كيفية دمج الترجمة المكتوبة على شريط السينما». كان الهدف من الدورة دعم الأفلام العلمية، حيث هناك حاجة ملحة طوال الوقت لكتابة المصطلحات على الشاشة، لكنه وجد في الأمر مدخلاً لعمل جديد يجمع بين هوايته السينمائية وبين نوع من البيزنس غير موجود في مصر.

على هامش الدورة تعرّف «عبيد» على مدير أحد الاستديوهات في باريس، وكان يعشق لعبة الشطرنج التي كان «عبيد» ماهراً فيها. قرّب الشطرنج بينهما وقادت الصداقة «عبيد» إلى دخول الاستوديوهات والتعرف على أسرار طباعة الترجمة، بعدها كان قرار «عبيد» واضحاً: سيهجر الهندسة ويتفرغ للترجمة.

المعركة داخل مصر

خاض «عبيد» معركة مع صناع السينما في مصر لإقناعهم بالفكرة، بعد أن نجح في طبع الترجمة على فيلم أجنبي. وجد في البداية ترحيباً كبيراً من موزعي الأفلام، كانوا كلهم من الأجانب، فعهدوا إليه بطبع الترجمة الفرنسية على الأفلام، وعينوه موظفاً، واستغلوه استغلالاً شديداً، وظلت اللغة العربية وحيدة على تلك الشاشة الجانبية المرهقة، وكانت حجتهم أن معظم رواد السينما في مصر من الأجانب.

كان هذا الوضع غير مريح. وطاف أنيس عبيد على الصحف لتساعده في توصيل صيحته، وقادت جريدة الأهرام حملة صحفية هدفها احترام لغة البلاد، ووضعها في المكان اللائق.

كان الضغط عنيفاً، وتفرغ له «عبيد» تماماً حتى نجح وصدر قرارا بطبع الترجمة العربية على الأفلام بداية من عام 1939. ولكن قيام الحرب العالمية الثانية منح الموزعين حجة لتأجيل تنفيذ القرار إلى ما بعد نهاية الحرب بثلاثة أشهر.

وبعد نهاية الحرب عاد «عبيد» إلى حملته لتنفيذ حلمه، وكان هذه المرة أكثر شراسة حى أصبح القرار نافذاً بداية من يوليو 1964. ومنذ ذلك الحين لا تصرح الرقابة بعرض أي فيلم إلا بعد طبع الترجمة العربية عليه.

روميو وجوليت

في البداية طبع عبيد الترجمة العربية علي أكثر من فيلم قصير وقدمها في عروض خاصة مجانية حتى تأكد الصناع من احتمالات نجاحها، فبحثوا عن فيلم ناجح ليبدأوا في تطبيق التجربة عليه، فاختاروا فيلم «روميو وجوليت» ليشهد عام 1944 عرض أول فيلم مترجم محققاً إيرادات غير مسبوقة.

كانت أدوات «عبيد» محلية الصنع تطبع الترجمة بطريقة ميكانيكية كيمائية. في البداية رفضت الشركات الاعتماد على هذه الآلات التي صنعها بيديه في مصر، ولكن بعد سنوات بدأ «عبيد» تصدير هذه الأجهزة إلى دول عديدة مثل اليونان ولبنان، وكان سعر الجهاز الواحد ألف جنيه إسترليني.

بعد ذلك عهد إليه التلفزيون العربي مع بدايته عام 1960بترجمة الأفلام والحلقات الأجنبية التي يعرضها، فتوسع «عبيد» في صناعة أجهزة الترجمة التي ابتكرها وتدريب موظفين جدد على إدارتها.

 

الشتائم الأجنبية  

يلومه البعض علي أنه مؤسس نظرية ترجمة الشتائم الأجنبية بشتائم من عصر ما قبل ظهور الإسلام. قد يعتبره البعض مترجماً خائناً.

يقول «عبيد»: «على المترجم أن يأخذ حذره دائماً، وأن يتجنب الألفاظ الشائكة أدبياً وسياسياً، وأن يكون رقيباً ثانياً على بعض الأفلام».

ويروي: «كانت شركات التوزيع في بداية الأمر هي التي تقدم لنا نص الترجمة العربية، وكنا نقوم بطبعها على الأفلام كما هي – ركيكة مهلهلة مليئة بالأخطاء اللغوية. لأن الذين يقومون بها كانوا من موظفي هذه الشركات ومعظمهم خواجات متمصرون، وكانت هذه الترجمات منسوبة لي كذباً، لذلك قررت أن أتولى أنا هذه العملية، وأنشأت قسماً خاصاً بالترجمة يتولى الإشراف عليه كبار المترجمين المعروفين».

«عبيد» المخترع

تعامل عالم السينما مع أنيس عبيد ليس بصفته مترجماً فقط، ولكن كمخترع أيضاً. فقد فاجأ العالم في عام 1950 بأول اختراع من نوعه عندما قام بطباعة الترجمة على أفلام «16 مللي»، وهي أفلام صغيرة من الصعب أن يتبين المرء صورها، فما بال الكتابة الصغيرة التي تطبع عليها. وقالت عنه صحيفة الأهرام في يوليو من العام نفسه: «هذا الشاب المصري استطاع أن يتوصل لما فشل فيه الأمريكان والأوربيون في الوصول إليه».

بسبب «عبيد» المتوفي سنة 1988 صار تقييم الأفلام المصرية لا يتم بمعزل عما وصل إليه الخواجات علي مستوى الحرفة والمتعة والمعني، وأصبح بتجربته دليلاً لنا في عوالم الفن بعيداً عن المدار الثابت الذي كنا ندور فيه.

كان «عبيد» خير ساعي بريد لنقل الرسائل الضمنية في أفلام الخواجات لنا ببساطة غير مخلة وبقوانينه الخاصة التي كانت موضع سخرية لفترة إلي أن تفهمنا وجهة نظر بعد رحيله و ظهور آخرين في المضمار نفسه.

 




المصدر

كتاب «صنايعية مصر. مشاهد من حياة بعض بناة مصر في العصر الحديث». عمر طاهر.

0
0
0
0
0
0
0