ينتابني شعور غريب، كلما تذكرت هذه الفترة من حياتي، ليس لأنها الأجمل أو الأكثر نضوجاً، بالعكس فهى فترة لم تكن فيها مشاعري قد نضجت بالشكل الكافي، فكنت وقتها طفلة في الثامنة من عمري، لا أعلم من الدنيا سوى القليل والظاهر لي فقط منها. أتمرد على أى شئ قد يعارض عادات وتقاليد الأسرة، وعقب عودتنا من السعودية وانتهاء بعثة أبي، شعرت بالغربة في بداية الأمر خاصةً عند ذهابي للمدرسة في فترة الظهر بعد أن اعتدت على الذهاب صباحاً هناك، ولم يكن المحيطون بي مشغولين كثيراً بتأثير كل هذا التخبط على ساعتي البيولوجية، أو نفسيتي الصغيرة .

وما هوّن على الأمر، هي العلاقة الجميلة التي نشأت بيني وبين أولاد الشارع، فقد كان جدي لأمي فلاحاً، واعتادت عائلة أمي أن تجتمع من أجل المساعدة في أي شئ يخص الأرض، وكانت مرحلة ما بعد جمع المحصول تحتاج عدداً أكبر، خاصةً اذا كان موسم الذرة الأصفر المستخدم في خبز العيش، وبعد جمعه، تتكفّل نساء وأولاد البيت وبعض أولاد الشارع بمهمة حمله للسطح ونشره لكي ينشف تماماً في الشمس ويصبح جاهزاً للطحن ومن ثم دقيقاً يخبزونه.

في كل مرة أسمع أمي، تقول «يلا هنروح عند جدك نطلّع الذرة»، يزقزق قلبي من الفرحة، فرحة المشاركة والتعب الذي يتبارز فيه الصغار ليدللون على قوتهم الضعيفة الصغيرة، فرحة الاختلاط بين الولد والبنت تحت أعين الأهل، على عكس ما اعتدت عليه في السعودية، التي كانت تحرّم ذلك تحريماً تاماً، ولم أقتنع أبداً بمبرراتهم حينها.

نذهب جميعاً لبيت جدي، نأكل الطعام الشهي من يد جدتي، زهيد الثمن ومعظمه من خير أرضهم، لكن يد جدتي تجعله أشهى من أكبر محلات الطعام، وبعدها نحتسي الشاي المصنوع على نار «المنقد»، وكان جدي –رحمه الله- بارعاً فيه، ولا زلت أتذكر طعمه إلى الأن.

بعد ذلك تبدأ مهمتنا في حمل أكواز الذرة لنصعد بها إلى الدور الثالث، وما أتذكره جيداً أن الدور الثالث لم يكن له سلم خرساني، فكان سلماً خشبياً شكله ضعيف جداً، لكنّه في الحقيقة كان يتحمل كل هذه الأعداد، لكن الأمر لم يكن بالسهولة التي اعتقدتها في البداية، فجسدي الضعيف لن يتحمل صعود كل هذه الدرجات وهذا السلم الذي كان بالنسبة لي مأساة عند رؤيتي له للمرة الأولى، فكيف لي الصعود بالحمل الثقيل عليه، وكيف أبدّل عليه رجليّ النحيلتين، واذا تذمرت أُتهم بالدلع والضعف، فكنت أتحمل فوق طاقتي لأبين لهم عكس رؤيتهم، فتخور قوتي بعد مرة أو مرتين.

ومثلما يحدث في الأفلام، حيث المنقذ الذي يظهر للبطلة كي يخرجها من أزمتها، ظهر لي أحدهم «أولاد الشارع»، وعرض على صفقة، بأن أعطيه الحمل في الدور الثاني ويصعد به هو على السلم الخشبي اللعين، فراقت لي الفكرة، وبدأنا التنفيذ، ومن هنا أعجبت بشهامته الطفولية، وسعدت لرؤيته عند كل مرة، ونشأ حب طفولي برئ بيننا، لم يتخلّله أي شعور بالذنب، وبعدها بدأ باقي الصبية يتودّدون إلى ويعرضون على خدماتهم، ونشأت بينهم غيرة بشأني، وأنا الطفلة «المفعوصة» سعيدة بكل ذلك.

وحدث ذات يوم مفاجأة لم أتوقعها، جاء أحدهم وقال لي: سأتزوجك عندما نكبر، لم أكن أنا ولا هو نعلم ما يعني الزواج من تحمل مسؤوولية،، وعندها ثار «بطلي الشهم» وكنت أتوقع أنه سيثور لأني أعلم حقيقة مشاعره تجاهي، وجاء إلى يحذرني من هذا الولد، مالسبب إذن؟!، فرد: زحلوق مسيحي !.

لطفلة مثلي لا تعلم أي فرق بين مسلم ومسيحي سوى هذه العلامة المرسومة على يده «الصليب»، لم يكن هو ولا أنا نعلم أن الفارق الديني يمكنه أن يسحق القلوب في لحظة، مع العلم أنني لم أبادله أبدا هذا الشعور، لكن بدأت أفكر: لماذا يحرّم الدين زواج المسلمة من المسيحي، ولم أجد أي جواب يقنع عقلي الصغير، ولم يكن أمام الجميع سوى قمعي والتأكيد على أن الله سيدخل من يفعل ذلك النار، وبادرتهم بسؤالي البديهي، وماذا نفعل اذا أحبوا بعضهم، ما الحل إذاً؟، جاء الرد: يجب أن يسلم كي يتزوجا، فلم أر أيضاً مشكلة في أن يتنازل أحدهما عن دينه كي يفوز بحبيبه، مادام الأمر بهذه السهولة، المهم أن يظلا معاً.

قلت لـ «زحلوق» ببراءة : «كل المسيحيين سيدخلون النار مالم يسلموا، ولن تتزوج من مسلمة اذا تمسكت بعقيدتك»، فنظر إلى مطولاً، ثم قال : اذا أسلمت ستوافقين على الزواج منّي عندما نكبر؟، كانت الإجابة بالنسبة لي محسومة في داخلي بالرفض، وعلى الرغم من ذلك، فكرت في الأمر بطريقة أخرى، فكان شاغلي هو أن أحميه من النار، فقلت له : سأفعل، فجرى من أمامي مسرعاً واختفى فجأة، وعاد ليقول لي :سألت أمي وأبي وقالوا إن الكنيسة ستعاقبني إذا فعلت ذلك، وستمنع عناّ المنح والمساعدات واحنا «غلابة»، فماذا أفعل إذاً؟

 حلّ الصمت عليّ، ولا أدري ماذا أقول، ولكنيّ فكرت كثيراً في الأمر فيما بعد، لو كنت أبادله مشاعره، ماذا عساي كنت سأفعل؟، لماذا كل هذه الحروب، لماذا سيدخل حتما النار؟، لماذا حتماً سيمنعون عنهم المساعدات؟، هل هو حقاً صادق فيما يقوله أم أنه يكذب كعادة الأطفال في هذه السن؟، وتعاودني هذه التساؤلات من حين لأخر كلما أتذكر هذا الموقف، لأبتسم وأقول في نفسي : ياتُرى لو كنت بادلته شعوره ونشأت بيننا قصة حب عظيمة، هل كنت سأقنعه بالإسلام، أم كان سيقنعني بالمسيحية، أم كنا سنتزوج رغم الجميع، أم كنا سنفترق ونعيش تعساء .

 

 

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية للموقع




3
0
2
0
0
0
0