عندما كانت رنا حسين في الجامعة لم تكن تفكر في الارتباط مثل غيرها من الفتيات في هذه المرحلة، ولم تغضب أبدًا عندما كان يرفض والدها «العرسان» المتقدمين لخطبتها، حتى تُكمل دراستها أولًا.

لكن بمجرد التخرج من الجامعة أصبح الزواج والبحث عن فارس الأحلام هو كل همّها، رغم أنها فتاة مستقلة وتخرجت من كلية الهندسة وتعرف كيف «تروح وتيجي» وحدها. تقول لـ«شبابيك»: «تربيتي تسببت في أني كنت محتاجة دايما لحد يهتم بيا ويحقق لي الأمان النفسي ويأخد باله مني».

وغرقت «رنا» في الأحلام الوردية مع فارس الأحلام، الذي تنتظره ليصبح المصدر الوحيد للحب ويسافر معها حول العالم ويحقق لها كل أمانيها، حتى كانت الصدمة الكبرى عندما تزوجت أختها، وهنا فقط أدركت أن الزواج مسئولية كبرى.

تقول: «صحيح هي مسئولية حلوة خصوصا مع وجود أطفال، لكن حتى المشاعر مش هتقدري تاخديها من زوجك بالصورة اللي كنت متخيلاها لأن المسئولية بتكون أكبر».

عقدة سندريللا


قصة «رنا» تتشابه مع قصص فتيات كثيرات يغرقن في الأحلام الوردية وينتظرن فارس الأحلام (الزوج) الذي يحقق لهن السعادة الخيالية ويخلصهن من مشاكلهن، فيكون المصدر الوحيد للحب، أو مصدر الرفاهية والثراء، أو يخلص الفتاة من مشاكلها مع أهلها أو يتحمل مسئوليتها كاملة، وهي الحالة التي يطلق عليها «عقدة سندريلا».

فهؤلاء الفتيات يفعلن مثل الشخصية الخيالية «سندريلا» التي كانت تبحث عن الأمير الذي ستعيش معه حياة مثالية بعد أن يخلصها من ظلم زوجة أبيها؛ دون أن تفعل بنفسها أي شيء لتتخلص من مشاكلها.

  • هل أنتِ مصابة؟

«عقدة سندريلا» هي التسمية التي أطلقتها المعالجة النفسية الأمريكية كوليت داولينج في كتاب يحمل نفس الاسم The Cinderella Complex.

وهي عبارة عن احتياج الفتاة الشديد إلى الرجل «فارس الأحلام» الذي يحقق لها الأمان، أو لأنها تخاف من الاستقلالية وتحمل مسئولية قراراتها، كما يقول استشاري الطب النفسي الدكتور توفيق نروز، في حديثه لـ«شبابيك».

هذه العقدة قد تصل بالفتاة إلى درجة تحمل علاقة مؤذية لمجرد خوفها الشديد من تحمل المسئولية أو مواجهة الحياة وحدها.

وهناك أعراض أخرى مثل التسرع في اختيار شريك الحياة بدون أي عقلانية، والخوف من الاستقلالية وتحقيق الذات لاعتقادها أنها تهدد أنوثتها وتجعلها «مسترجلة» وبالتالي لن تستطيع الفوز بفارس الأحلام.

الفتاة تصبح أيضا شديدة القلق أو قد تخاف من الوصول إلى مناصب قيادية في العمل، لأنها تشعر بالقلق من أي مسئولية، كما تقول المعالجة النفسية في كتابها.

أسباب عقدة سندريللا

منذ أن تكون الفتاة طفلة صغيرة يتم تربيتها على أنها بحاجة دائما إلى رجل، لا ليشاركها في الحياة بقدر ما تعتمد عليه اعتمادًا كاملًا.

وعندما تنشأ الفتاة في مجتمع تكون معرضة لتهديد التحرش أو الاغتصاب أو في أقل الأحوال المضايقة من الرجال، فكل هذا يرسخ لديها أنها بحاجة للرجل ليحميها. ويحدث هذا في جميع المجتمعات حتى الغربية، كما تقول مؤلفة الكتاب، التي وجدت نفسها غير مستعدة لتحمل مسئولية حياتها وأطفالها بعد الانفصال.

هل هي مرض نفسي؟

لا يعترف استشاري الطب النفسي الدكتور يسري عبد المحسن بأن هناك مصطلح في الطب النفسي اسمه «عقدة سندريلا». ويقول لـ«شبابيك»: يمكننا أن نطلق على هذه الحالة أحلام اليقظة وهي طبيعية جدًا في فترة معينة من حياة أي فتاة.

فمنذ أن تكون طفلة صغيرة وحتى فتاة راشدة، تمر بخطوات على طريق النضج النفسي. ففي مرحلة المراهقة من الطبيعي جدًا أن تغرق الفتيات في أحلام اليقظة وترسم صورة تخيلية لفارس الأحلام، لأنها مرحلة بها احتياج نفسي وعاطفي شديد للغاية، إضافة لعدم اكتمال النضج الفكري، كما يقول «عبد المحسن».

لكن إذا استمرت الفتاة في أحلام اليقظة والتعلق بفارس الأحلام بعد مرحلة المراهقة، فإن الأمر يتحول إلى ما يسمى في علم النفس بـ«ضلالات فكرية» تحتاج لخطوات للعلاج.

  • اضطراب الشخصية الاعتمادية

لكن عقدة سندريلا تندرج تحت مرض نفسي شهير اسمه «اضطراب الشخصية الاعتمادية» كما يقول «نروز».

ومن أعراض هذا الاضطراب عدم القدرة علي اتخاذ القرارات والاعتماد علي الآخرين في أي شيء، والخوف من أن يتخلوا عنهم والقلق الشديد من فقد الأشخاص المقربين.

ماذا فعلت «رنا»؟


أصبح لدى «رنا» الآن رؤية مختلفة تماما  للزواج، فهو عبارة عن مشاركة بين الرجل والمرأة في المسئولية ولا مجال فيه للاعتمادية أو حتى الاستقلالية.

توصلت «رنا» إلى الحل بعد أن قررت بناء حياتها بشكل متكامل قبل الزواج والبحث عما يحقق لها كيانها وسعادتها من أهداف وطموحات وأصدقاء يدعمونها حتى لا تشعر بهذا الفراغ العاطفي الكبير.

تقول: «الجواز مش هيبني لك حياتك مش هيعرفك أنتِ مين وعايزة إيه.. مش هيخليكي نفسك.. الزواج يعني أن يبقى عندك حياة متكاملة وفاهمة نفسك، وبعدين تختاري الشخص المناسب اللي يشاركك الحياة دي».

  • احترسي من الوحدة والعزلة

وهناك خطوات بسيطة يقدمها لك استشاري الطب النفسي يسري عبد المحسن، وهي:

  • تكوين دائرة أصدقاء للحصول على الدعم النفسي وسد الفراغ العاطفي.
  • شغل وقت الفراغ بالأنشطة والعمل حتى لا تجد مجالا لتطور هذه الأفكار.
  • وجود أشخاص في الدائرة القريبة جدًا منها ليستطيعون احتوائها نفسيا.

فبدون التخلص من «عقدة سندريللا» وحتى لو استطاعت الفتاة الحصول على فارس الأحلام «الوهمي»، فإنها لن تعيش معه حياة سعيدة أبدًا،  فالرجل يريد زوجة تشاركه الحياة وتتحمل معه المسئولية، وإلا يشعر أنها عبء عليه أو سيشعر بالضجر والملل منها كما يقول «نروز».

وبعض الحالات المعقدة ستحتاج بجانب هذه الخطوات إلى العلاج إلى النفسي المعرفية السلوكي مع بعض مضادات القلق، كما يقول «نروز» لـ«شبابيك».




0
0
0
0
0
0
0