بين الحين والآخر تتناقل وسائل الإعلام معلومات حول صفقة تتم في الخفاء للتنازل عن جزء من سيناء لصالح إعادة توطين الفلسطينيين تحت اسم «صفقة القرن» أو «غزة الكبرى» لإنهاء الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.

هذه الصفقة التي يرحب بها الجانب الإسرائيلي بشدة، لم تكن وليدة اللحظة، فمنذ أن اندلعت حرب فلسطين في العام 1948، وإسرائيل تعيد فتح هذه القضية بين حين وآخر، وتحاول إقناع جميع رؤساء مصر على اختلافهم بها، فماذا كانت مواقف كل منهم؟

عبد الناصر والصفقة الكبرى

في مارس 1955، اندلعت انتفاضة ضخمة في قطاع غزة ضد مشروع «جونسون» لإعادة توطين اللاجئين في سيناء، وإغلاق ملف القضية الفلسطينية للأبد.

الحزب الشيوعي الفلسطيني قاد الانتفاضة، التي حملت شعار «لا توطين ولا إسكان يا عملاء الأمريكان.. العودة.. العودة حق الشعب»، وقد كان في ذلك الوقت الحزب السياسي الوحيد والمتماسك.

وفي الوقت الذي كان قطاع غزة تحت الإدارة المصرية، حاولت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى «الأونورا» إقناع الرئيس جمال عبد الناصر بالمشروع واستيعاب اللاجئين الفلسطينيين في سيناء لأغراض إنسانية، لكن مشروع جونسون تم رفضه تماما بعد انتفاضة غزة.

مشاريع التوطين في سيناء لم تتوقف، وكان أبرزها  مشروع  وزير الخارجية الإسرائيلي «إليجال آلون» بعد نكسة 1967 لتسوية القضية الفلسطينية، مستغلا الأحداث وخروج سيناء عن السيطرة المصرية.

ومن ضمن بنود المشروع: «حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين على أساس تعاون إقليمي يتمتع بمساعدة دولية، وتقيم إسرائيل عدة قرى نموذجية للاجئيين في الضفة الغربية وربما سيناء».

مبارك والتوطين 

بعد سنوات قليلة استطاعت مصر أن تنزع سيناء بعد حرب أكتوبر 1973 ثم معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل؛ ولكن بعد عقود عديدة كان مشروع توطين الفلسطينيين في سيناء يدور داخل الأروقة الإسرائيلية في سرية تامة، ويظهر للعالم بين الحين والآخر.

هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» فجرت مفاجأة في 29 نوفمبر 2017 عندما أعلنت حصولها على وثائق سرية بريطانية، تكشف أن الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك قد وافق على توطين الفلسطينيين في سيناء؛ استجابة لطلب أمريكي في العام 1983 بعد غزو إسرائيل للبنان في يونيو 1982 وانسحاب المقاومة الفلسطينية التي كانت تحظى بتواجد سياسي وعسكري هناك.

وفي ظل هذا التهديد الذي يواجه المقاومة الفلسطينية، أبدى الرئيس المصري الأسبق استعداده لتوطين الفلسطينيين في سيناء، بشرط التوصل لحل شامل في القضية الفلسطينية؛ كما تذكر وثائق لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

ظهور هذه الوثائق دفع الرئيس «مبارك» للخروج عن صمته بعد ثورة يناير 2011، ليصدر بيانا يقول فيه إنه رفض المشروع رفضا قاطعا وأخذ قراره بسحب السفير المصري من إسرائيلي، ثم عمل على تأمين خروج الفلسطينيين المحاصرين في بيروت وعلى رأسهم ياسر عرفات.. وقال «مبارك» في بيانه: «أبديت للجانب الإسرائيلي عدم استعدادي حتى للاستماع لأي طروحات في هذا الإطار مجددًا».

وأثارت هذه الواقعة جدلًا كبيرا بين المصريين، دفع سكرتير مبارك السابق في فترة الثمانينيات، الدكتور مصطفى الفقي، للتعليق بأن هذه المساعي كانت جزءًا من مؤامرة  تدبر لها إسرائيل وأمريكا والعالم الغربي؛ فهم يرون أن سيناء منطقة واسعة ومصر لا تحتاجها في شيء.

ويدافع «الفقي» عن موقف الرئيس الأسبق في هذه القضية فيقول: «من خلال عملي معه استبعد موافقته تماما على التفريط في سيناء بعد أن أجرى مباحثات لمدة أربع سنوات ليسترجع طابا والتي تبلغ مساحتها كيلو متر مربع فقط».

وكانت تسريبات قد ظهرت للرئيس الأسبق، وهو يتحدث عن رفضه مناقشة توطين الفلسطينيين في سيناء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ قبل 6 أشهر من تنحيه عن الحكم.

المفارقة أن مستشار الأمن الإسرائيلي «جيورا أيلاند» وضع عام 2004 مشروعًا جديدا ينص على تنازل مصر 600 كم2 من سيناء بغرض توطين اللاجئين. مقابل أن تتنازل إسرائيل عن 200 كم2 من أراضي صحراء النقب لصالح مصر.

موقف مرسي

عندما جاء الرئيس الأسبق محمد مرسي إلى الحكم، تجدد مرة أخرى الحديث عن توطين الفلسطينيين في سيناء، بالوسائل الإعلامية.

فمنذ فوزه بانتخابات 2012 كانت علاقة «مرسي» بحركة حماس، محل جدل كبير، خصوصا مع ارتباط الحركة الفكري بالإخوان المسلمين.

وكانت تفاصيل الخطة التي أعلنت عنها وسائل الإعلام، هذه المرة هي بتوسيع حدود قطاع غزة ليشمل حدود مدينة العريش، ويضم رفح والشيخ زويد للقطاع؛ وهو المشروع الذي وضعه الرئيس السابق للجامعة العبرية «يوشع بن آريه» عام 2013، لحل القضية الفلسطينية.

وفي حوار لـ«مرسي» مع قناة «النهار» خلال فترة حكمه، نفى تماما فكرة توطين الفلسطينين في سيناء، أو أن يكون الفلسطنيون طلبوا منه ذلك قائلا: «لا مكان لغير المصريين أن يمتلكوا أرض مصر على الإطلاق وبهذا الشكل».

وعلى عهدة الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن، فقد قال إن «مرسي» عرض عليه توسيع غزة على حساب سيناء، بنفسه خلال فترة حكمه، وبدأ نوع من التفكير الجدي على أرض الواقع، قائلا: «هذا لو حدث فسيدمر القضية الفلسطينية».

السيسي والمصالحة الفلسطينية

الوثائق التي أعلنت عنها «بي بي سي» بشأن مبارك؛ تأتي في توقيت حرج للغاية، تتحدث فيه تقارير إعلامية عربية ودولية، عن صفقة تُدّبرها الولايات المتحدة في الخفاء، بالتعاون مع مصر وبرعاية السعودية؛ من المفترض أن تنهي 70 عاما من الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، كما ينقل موقع «ميديل إيست مونيتور» عن صحيفة «هآرتس الإسرائيلية».

القضية الآن تبدو معقدة هذه المرة وتدخل فيها أطراف جديدة وعلى رأسها السعودية، التي تريد عقد سلام مع إسرائيل في مواجهة النفوذ الإيراني بالمنطقة، وقد تزايدت هذه الشكوك بعد زيارة شديدة السرية، أجراها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان لإسرائيل.

وكانت القضية الفلسطينية على رأس القضايا التي ناقشها الرئيس عبد الفتاح السسي خلال زيارته الأولى للولايات المتحدة بعد فوز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أبريل 2017؛ وقال خلالها إن «السلام المصري الإسرائيلي سيكون صفقة القرن»، موجهًا حديثه لـ«ترامب»، كما أشادت بذلك صحف إسرائيلية.

ولأنه لم يعلن أحد عن تفاصيل هذه الصفقة التي وصفوها بـ«السرية»، فقد ترك هذا المجال للعديد من وسائل الإعلام العربية للحديث مجددًا عن توطين الفلسطينيين في سيناء، بدعم مادي كبير من السعودية ودول الخليج للحكومة الفلسطينية.

كل هذه التكهنات جاءت بعد أن تبني مصر لعملية مصالحة فلسطينية تقضي بحل حكومة حماس في غزة، وتسليم القطاع لحكومة فتح.

ووسط كل هذا تنفي جميع الأطراف من مصر، وفلسطين، والولايات المتحدة وجود أي مشروع لتوطين الفلسطينيين في سيناء، في الوقت الذي تخرج فيه تصريحات لمسئولين إسرائيلين تقول إن سيناء هي أفضل مكان للفلسطينيين، وفقا لوزيرة المساواة الإسرائيلية جيلا جميائيل. بينما تصرح وزارة الخارجية الإسرائيلية أن هذه التصريحات لا تمثل الموقف الرسمي.




3
1
3
0
0
0
4