بين فترة وأخرى يظهر موسم جديد لبرامج المواهب المخصصة للأطفال والتي من المفترض أنها تشجع المواهب الصغيرة؛ لكن الحقيقة أنها تمثل خطورة كبيرة على نفسية الكثير من الأطفال الذين يشاهدونها.

فعندما يقارن ابنك نفسه بهؤلاء الأطفال الموهوبين والمختارين بعناية شديدة وبعد تدريبات فائقة، فهذا قد يتسبب فقدانه الثقة بنفسه كما يؤكد خبراء في علم النفس. وهناك أضرار أخرى تسببها هذه البرامج على نفسية الطفل، فما هي؟ وكيف يتجنب الآباء هذه المشاكل التي قد تحدث لأطفالهم؟

برامج مواهب الأطفال مجرد «سبوبة»

اكتشاف المواهب يجب أن يكون دور الأسرة ثم المدرسة في المقام الأول وليس البرامج التليفزيونية التي يبدو وكأنها أخذت هذا الدور وحدها، كما يقول استشاري الطب النفسي الدكتور توفيق ناروز.

هذا النوع من البرامج الموجه للأطفال جاء كتقليد لما يحدث في امريكا، وغيرها من البلاد الأجنبية، التي تهتم كثيرا باكتشاف وتنمية المواهب في المدرسة والمنزل من خلال دعم الطفل بالأنشطة، وتشجيع أسرته لموهبته، بعكس ما يحدث في مدارسنا.

لا يفضل «ناروز» منع الطفل تمامًا من مشاهدة هذه البرامج، فالممنوع مرغوب، ولكن نحتاج لأن نترك مساحة من الحرية للطفل مع التوجيه، وفي نفس الوقت يجب ألا نعطي مثل هذه البرامج  أهمية أكبر من قيمتها، لأنها أولا وأخيرا مجرد «سبوبة» للمطربين؛ كما يقول في حديثه لـ«شبابيك».

  • غياب القدوة أمام الطفل

المشكلة الأخرى التي تسببها هذه البرامج أنها ترسخ في عقل الطفل أن الموهبة عبارة عن غناء فقط؛ فيصبح المطرب هو القدوة الوحيدة أمام الطفل؛ بينما يغيب الاهتمام بمواهب أخرى مثل الرياضة وتنمية الذكاء أو تشجيع الطفل على أن يكون طبيبا، أو مهندسا، أو معلماـ والتي تدخل تحت بند المواهب أيضا أو حتى البرامج التي تحث الأطفال على القيم والمبادئ، كما يقول «ناروز» في حديثه لـ«شبابيك».

 يجب ألا يشاهدها وحده

عندما يجلس طفلك وحده لمشاهدة برامج المواهب، ويرى أطفالًا في مثل سنة وهم يغنون بصوت جميل ويتلقون الكثير من المدح والثناء، فالأمر في حد ذاته مخاطرة كبيرة بالنسبة لنفسية الطفل.

فمشاهدته لبرامج مواهب الأطفال قد تكون نتيجتها إيجابية بنسبة 50% أو سلبية بنسبة 50%، حسب نفسية الطفل والعوامل المحيطة به؛ كما يقول أستاذ علم النفس ورئيس جامعة عين شمس الدكتور فتحي الشرقاوي، في حديثه لـ«شبابيك».

هناك طفل يميل إلى المحاكاه والتقليد، وعندما يشاهد أطفالا في مثل سنه ببرامج المواهب، فهذا يدفعه إلى تقليدهم، فتتفجر بداخله طاقات إبداعية ومواهب مدفونة.

  • سيفقد طفلك الثقة في نفسه


 

وهناك طفل آخر يكون في حالة إحباط  أو لديه استعداد نفسي تلك الحالة، وبالتالي يفقد الثقة في نفسه تماما، ويشعر أنه أقل من هؤلاء الأطفال لأن صوته ليس جميلا مثلهم، حتى لو كان موهبًا في مجالات أخرى؛ كما يقول «الشرقاوي».

الآباء قد يصبحون المشكلة

وحتى لو جلس الطفل مع أحد الوالدين لمشاهدة برامج المواهب فهذا لا يضمن أن النتيجة ستصبح إيجابية 100%، فالآباء أنفسهم قد يسببون مشكلة كبيرة للطفل إذا افتقدوا للوعي التربوي، هكذا يوضح «الشرقاوي» في حديثه لـ«شبابيك».

«الأم بتبقى قاعدة مع ولادها لسانها زي المبرد مبتشوفش فيهم أي حاجة حلوة»، بهذه العبارة يريد «الشرقاوي» أن يلفت انتباه الآباء والأمهات إلى أن الخطأ الأكبر الذي يرتكبه الآباء هو المقارنة السلبية بين ابنهم والأطفال الموهوبين.

 فإذا مدحت هؤلاء الأطفال كثيرا أمام ابنك، أو قلت له أنهم أفضل منه، أو صوتهم أجمل، أو حتى أبديت استياءك لأن ابنك لا يمتلك مثل هذه المواهب، بدون كلمات؛ فالنتيجة الأكيدة أن ثقة طفلك في نفسه ستهتز كثيرًا، وقد يدفعه هذا إلى إهمال مواهبه الحقيقية وعدم السعي لاكتشافها.

لماذا يحدث هذا كله للطفل؟

الأطفال بطبيعتها كائنات مبدعة، تتعلم من البيئة حولها من خلال التشجيع والتقليد؛ وخصوصا في المرحلة العمرية من الولادة حتى 7 سنوات يميل الطفل بكل تلقائية إلى تكرار الفعل الذي يلقى استحسانًا من والديه، حتى يحصل على حبهم وتشجيعهم، وهو احتياج نفسي أساسي للطفل مثل حاجته للطعام والشراب تماما، كما يوضح أستاذ علم النفس، الدكتور سمير عبد الفتاح في حديثه لـ«شبابيك».

وعندما لا يرى الطفل هذا التشجيع والاستحسان، فهذا يعني أن الحافز الذي يدفعه للتعلم والتطوير قد اختفى، فإذا قلت لابنك أنت فاشل سيتحول إلى فاشل بالفعل، حتى لو كان لديه استعداد لموهبة كبيرة.

تأثير سلبي على الأطفال الفقراء

تأثير سلبي آخر تحدثه هذه البرامج على الأطفال الذين يعيشون في  طبقة اجتماعية لها ظروف مادية متعثرة، كما توضح الاستشاري الأسري والتربوي، زينب مهدي، في تصريح لـ«شبابيك».

فالبهرجة الشديدة التي يظهر بها ديكور البرنامج والفنانين، وخصوصا الصورة التي يظهر بها الأطفال الموهوبين، ستجعل الطفل الجالس في المنزل يشعر بأنه أقل كثيرا من أقرانه، وقد تؤدي إلى إحساس بالدونية عند الأطفال الذين لديهم الاستعداد النفسي لتلك الحالة.

رعاية خاصة عند مشاهدة هذه البرامج

هذا لا يعني أن برامج المواهب في حد ذاتها تسبب ضررا للطفل، فقد تكون كذلك حافزًا للإبداع، ولكن بشرط أن يحاط الطفل بعناية خاصة وأن يتبع الآباء بعض الخطوات يلخصها «عبد الفتاح» في:

  • تحدث معه عن مواهبه

فمثلا لا يجب أن تجلس مع طفلك خلال مشاهدته برامج المواهب وأنت منشغل بالأطفال الآخرين أو حتى بأي عمل تؤديه، بل افتح نقاشا مع طفل بما يناسب سنه، وأبرز له مواهبه الخاصة، قل له مثلا أن هؤلاء الأطفال موهوبون في الغناء، وأنت موهوب بنفس الدرجة أو أكثر في الرياضة.

  • اكثِر من تشجيعه

وثانيا إذا كان طفلك يجيد الغناء مثل هؤلاء الأطفال، فيجب أن تؤكد له أن صوته جميل وأنه ليس أقل منهم في شيء، حتى لو كان صوته متوسطا مقارنة بأطفال البرامج؛ فالتشجيع يدفع الطفل الصغير إلى الاستمرار والتمسك بموهبته وتجويدها.

  • الشحن النفسي

وعندما ترى أن طفلك قد تأثر بالسلب، فيجب أن تدعمه نفسيا. يتابع «عبد الفتاح» حديثه: مجرد أن «تطبطب» على الطفل وتبدي مشاعرك الإيجابية تجاهه، فهذا في علم النفس يسمى بالشحن النفسي، ويوصل رسالة للطفل معناها أنك تحبه وتتقبله ولا تراه أقل من هؤلاء الأطفال.

لا تدفع طفلك نحو الشهرة


وإذا كان الطفل موهوبًا بالفعل، فهذه النوعية من البرامج ستدفع الوالدين للضغط عليه في سن صغيرة، ويجعلانه يهتم أكثر بالعمل والشهرة، في الوقت الذي من المفترض أن يستمتع بموهبته شيئا فشيئا، حتى يصل إلى السن الذي يستطيع فيه تحمل تبعات المسئولية والشهرة نفسيا، وحتى يعيش طفولته ولا يهمل دراسته أو يبذل مجهودًا وطاقة مثل الأشخاص البالغين حتى يصل إلى الشهرة، في الوقت الذي لا تتحمل نفسيته كل هذه الضغوط؛ كما تقول الاستشارية الأسرية والتربوية زينب مهدي لـ«شبابيك».




2
1
0
2
0
1
2