تعتبر «السجادة البكرية»، أحد منظمات الطرق الصوفية، ومن أهم ما يُعرف بـ«السجاجيد الصوفية» في مصر، يرأسها الشيخ أحمد محمد كوبلاي البكري، ومقرها بمنزل والده بشارع العادل أبي بكر الصديق بالزمالك بالقاهرة.

في كتابه «التصوف وأيامه.. دور المتصوفة في تاريخ مصر الحديث» يروي الدكتور محمد صبري الدالي قصة هذه «السجادة البكرية»، وكيف نشأت في مصر والمراحل التي مرت بها.

ضائقة مالية

تعود «السجادة البكرية» في نسبها الأعلى إلى أبي بكر الصديق، أما نسبها في مصر فيعود إلى الشيخ أبي الحسن جلال الدين البكري الذي يُروى أن والده كان من قضاة مصر ومباشريها قُبيل نهاية العصر المملوكي، وأنه وقع في ضائقة مالية مع السلطان الغوري، فاستجار بأحد كبار الصوفية الشيخ عبدالقادر الدشطوطي الذي قام بالوساطة لدى الغوري لرفع الدين عنه.

وبنجاح مسعاه كانت مكافأة «جلال الدين» له أن أعطاه ابنه «أبي الحسن» ليخدمه. قام «الدشطوطي» بتربية «أبي الحسن» تربية صوفية، ولقنه الطريق الصوفي، ثم أرسله إلى الشيخ رضي الدين الغزي وكان يومئذ نازلاً بمصر، فلازمه وتعلم على يديه الصوفية.

ومن هنا برزت «البكرية» كجماعة صوفية قوية في أواخر العصر المملوكي وبداية العصر العثماني، وتبوأوا مكانة محترمة، وصار شيخهم أبو الحسن البكري شخصية صوفية لها مكانتها المتميزة في المجتمع المصري.

ومن الواضح أن الخلاف بين العثمانيين (السُنة) وبين الصفويين (الشيعة) لعب دوره في بروز «البكرية»، حيث ساند العثمانيون كل من انتسب للخليفة أبي بكر الصديق سواء في مصر، أو في غيرها من أراضي الدولة العثمانية، نكاية في الصفويين الشيعة.

وقد تأثرت قوة البيت البكري في مصر أيضاً بوجود امتدادات له في مناطق أخرى، ومنها في بلاد الشام وخاصة في دمشق.

كرامات وخوارق

وبناء على ذلك كان أبو الحسن البكري أول شخصية بكرية ظهرت في مصر بشكل عام، وفي العصر العثماني بشكل خاص. وحظي أبو الحسن بشهرة واسعة، ونوه البكريون بشأنه في كتبهم ورسائلهم، وحكوا عنه الكرامات والخوارق، واعتبروه مؤسس مجدهم الأدبي والصوفي والاجتماعي.

ولما مات أبو الحسن، خلفه في مشيخة «السجادة» ابنه محمد البكري المشهور بـ«أبيض الوجه»، والمُكنى بـ«أبي بكر»، و«أبي المكارم»، حيث ورث عن والده ثروة مكّنته من أن يعيش «عيشة الملوك» في مسكنه، ومأكله، وملبسه، ومركبه، وجواريه، وعبيده، وبلغ درجة معقولة في علوم «الظاهر والباطن».

بل إن محمد البكري يعتبر أعظم شخصية بكرية صوفية ظهرت في مصر خلال العصر العثماني، خاصة أنه هو الذي وضع الحزب البكري الشهير الذي انتشر بين أتباع «السجادة البكرية» لفترات طويلة، كما كان أول من اتخذ شعره وسيلة للدعاية لتعاليم البكرية، ومن ثم ترك ديواناً شعرياً ضخماً.

بعض شيوخ البكرية بالغوا في تصوير أنفسهم، حتى وصف محمد البكري نفسه بأنه «يُضيء العالم بخلافته، ويغيث الملهوف، ويحمي الضعيف، ويكشف الخطوب، ويفرج الكروب، وباسمه يزول البؤس والضُر».

وعندما توفي محمد البكري سنة 994هـ/ 1585م خلف من الأبناء ثلاثة تولوا جميعاً رئاسة السجادة البكرية في القرن الـ17 الميلادي/ الـ11 الهجري، وهم أبو السرور، وزين العابدين، وأبو المواهب.

والحقيقة أن بعض شيوخ البكرية بالغوا في تصوير أنفسهم، حتى وصف محمد البكري نفسه بأنه «يُضيء العالم بخلافته، ويغيث الملهوف، ويحمي الضعيف، ويكشف الخطوب، ويفرج الكروب، وباسمه يزول البؤس والضُر».

إن محمداً لم يترك الناس ليعتقدوا فيه ما شاءوا، وينسبوا إليه ما اعتقدوه من الكرامات والخوارق، بل دعا لنفسه، ونّوه بفضله وفضائله وما حُبي به من قدرات فائقة، وحث أتباعه لأن يتفاخروا ويتمسكوا به، بعد أن وضع لهم أناشيد خاصة يتغنون بها في حلقات الأذكار.

الحقيقة البكرية

وامتازت الطريقة البكرية عن غيرها من الطرق الصوفية آنذاك بأن أضافت إلى مفهوم الحقيقة المحمدية الصوفية عنصراً جديداً، وهو الحقيقة المعنوية لأبي بكر الصديق، بحيث أصبحت الحقيقة الأخيرة ملازمة للحقيقة الأولى ولا تنفك عنها منذ الأزل، أي أن الحقيقة البكرية وجدت مع الحقيقة المحمدية، وإذا كان الصوفية يقولون بأن الأولياء يتصلون بالحقيقة المحمدية، فإن البكريين قالوا إن الأولياء يتصلون بالحقيقة البكرية.

ومع ذلك فالمكانة الاجتماعية والاقتصادية التي حققتها البكرية منذ بداية الحكم العثماني، لعبت دوراً فاصلاً في بروزهم وتفوقهم في مجال التصوف على الساحة المصرية.

ومع أنهم لم يحظوا بانتشار واسع بين الفئات الغنية والمتعلمة في القرن الـ12 الهجري/الـ18 الميلادي، فقد كانت لهم علاقاتهم القوية مع بعض الطرق الصوفية، مثل الخلوتية التي تأثرت البكرية بها تأثراً شديداً في الجانب الروحي، كما كانت لهم علاقات مع الأشراف، إضافة إلى ميل بعضهم للدراويش.



المصدر

كتاب «التصوف وأيامه. دور المتصوفة في تاريخ مصر الحديث». الدكتور محمد صبري الدالي.

0
0
0
0
0
0
0