عند سفح جبل المقطم وتحديداً في شارع التونسي يقع مسجد السادات الوفائية الذي يفد إليه جميع أبناء السجادة الوفائية الصوفية من شتى أقطار البلاد، حيث يجتمعون بهذا المسجد الذي يضم عدداً من أضرحة مؤسسي الطريقة.

لكن ما هي حكاية هذه الطريقة؟ ومن هو مؤسسها؟ وما هي مرجعيتها الفكرية؟ الدكتور محمد صبري الدالي أجاب على هذه التساؤلات في كتابه «التصوف وأيامه.. دور المتصوفة في تاريخ مصر الحديث».

مسجد الساداتية الوفائية

وفاء النيل

تُنسب السجادة الوفائية إلى مؤسسها السيد محمد وفا، الذي ينتهي نسبه عند الحسن المثني بن الحسن السبط بن على بن أبي طالب. وقيل أنه قدم من المغرب سالكاً طريق الشيخ أبي الحسن الشاذلي، ثم توجه إلى أخميم، فتزوج بها وأنشأ زاوية كبيرة، ثم سار إلى القاهرة وأقام بالروضة عاكفاً على العبادة حتى ذاع صيته إلى أن توفى في سنة 1363 ميلادية.

تلقيب السيد محمد بـ«وفا» يعود إلى رواية أسطورية تقول إن النيل توقف عن الوفاء في سنة من سنوات العصر المملوكي، فتوجه العلماء والصلحاء إلى المقياس ودعوا الله – كالمعتاد في تلك الظروف – لترتفع مياه النيل، لكن النيل بقي على حالته من النقص.

وعندما أُخُبر السلطان بوجود شيخ تقي يدعى «محمد»، أرسل يدعوه للتوجه إلى «المقياس» ليدعو الله حتى يكتمل وفاء النيل. وعندما ذهب الشيخ محمد لم تلبث مياه النيل أن ارتفعت وظهر الوفاء، وصار الناس يقولون «وفا وفا»، فخوطب بذلك، وصار علماً عليه، واشتهرت ذريته باسم «السادات الوفائية».

تأثيرات سلبية

أثر العثمانيون بالسلب على نفوذ وشعبية الوفائية في مصر. فرغم أن الوفائية ليسوا بشيعة، ويدعون فقط إلى حب آل البيت باعتبارهم هم أنفسهم من آل البيت، إلا أن نقمة العثمانيين على أتباع المذهب الشيعي ومن يقترب من أفكارهم ربما تركت تأثيراتها على وضع الوفائية.

تكرست هذه الفكرة في ظل الثورة التي قام بها أحمد باشا في سنة 1524م للاستقلال بمصر عن الدولة العثمانية واتهام الشيخ ظهير الدين الأردبيلي بإغراء أحمد باشا بالانتقال من اعتقاد أهل السنة إلى اتعقاد مذهب الإمامية، ما أدى بالسلطة العثمانية لأخذ حذرها من المتصوفة الأعاجم في مصر، بل ووضعت العديد من القيود والقواعد التي كان على الصوفية ألا يتعدوها.

مسجد السادات الوفائية

حزب وخرقة

كان للوفائية حزباً مشهوراً هو «حزب الفتح» الذي وضعه السيد محمد وفا الكبير (عاش ومات في القرن الـ15 الميلادي)، وكان يُقرأ في بيت السجادة كل أسبوع. كما كان للوفائية خرقة «زي معين» خاصة بهم، عبارة عن تاج وشدّ على شكلٍ مخصوص، وكان الشيخ أبوالفضل الوفائي هو أول من أحدثه.

على أن الذي ميز الوفائية آنذاك دعواهم الانتساب لآل البيت، وهو ما كان يجعلهم والأشراف أهل بيت واحد. وحدث أحياناً أن من تولى مشيخة السجادة الوفائية تولى أيضاً نقابة الأشراف، مثل الشيخ مجد الدين محمد أبو هادي بن وفا، وقد دعم هذا وجودهم ومكانتهم، لأنهم ورثوا ما كان للأشراف ولأهل البيت بشكل جمع بين المحبة والقبول في قلوب المصريين.

صراع مع البكرية

في العصر العثماني دخل القائمون على السجادة الوفائية في خلافات حادة مع نظرائهم في السجادة البكرية على أساس أن البكرية تنتسب إلى أبي بكر الصديق، بينما تنتسب الوفائية إلى على بن أبي طالب مما يصاحب هذا النسل الميل لأهل البيت، بل و«التشيع» له، وأدى ذلك لقيام دعوتين متنافستين.

بيد أن هذا التنافس اشتد بوجه خاص في النصف الثاني من القرن الـ18 نتيجة لصعود نفوذ ومكانة السجادة الوفائية، وأدى ذلك إلى نتيجتين مهمتين. الأولى أن المحاولات التي بذلتها البكرية والوفائية ساعدتا على زيادة نشر التصوف في المجتمع المصري من خلال محاولة كل فئة جذب أتباع جدد لها.

أما النتيجة الثانية أن ذلك التنافس أفاد العثمانيين كثيراً في حكم مصر، عن طريق تقريبهم لأتباع هذه السجادة أو تلك بشكل خدم مصالحهم في النهاية.




المصدر

كتاب «التصوف وأيامه. دور المتصوفي في تاريخ مصر الحديث».الدكتور محمد صبري الدالي.

0
0
0
0
0
0
1