لم تَمُت الملكة المصرية كليوباترا السابعة منتحرة بلدغة ثعبان كما صورتها السينما العالمية، بل قتلت مع سبق الإصرار والترصد، وبأمر من القائد الروماني أكتافيوس.

فالملكة التي حكمت مصر لمدة 20 عاما وتحالفت مع القائد الروماني أنطونيوس؛ وأنجبت طفلا من الإمبراطور الروماني السابق يوليوس قيصر، كانت تشكل تهديدا لأكتافيوس.

فأكتافيوس هو ابن يوليوس قيصر بالتبني والوريث الشرعي للحكم، في مواجهة أنطونيوس، الذي كان وصيا على العرش بعد مقتل القيصر غدرا، وحينما كان أكتافيوس لا يزال صبيا لم يتجاوز الـ18 من عمره؛ كما تذكر بعض الدراسات الأجنبية التي تشكك في الرواية التاريخية لانتحار كليوباترا.

الرواية التاريخية لانتحار كليوباترا

تقول الرواية إنه عندما علمت الملكة المصرية كليوباترا السابعة بهزيمة حليفها ماركوس أنطونيوس، في معركة أكتيوم البحرية ضد القائد الروماني أكتافيوس، ثم انتحاره بعد ذلك؛ كتبت خطابا وأرسلت به إلى أكتافيوس، ثم أغلقت الباب عليها وانتحرت هي واثنين من وصيفاتها بلدغات ثعبان الكوبرا.

استلم أكتافيوس الرسالة – وكان مقيمًا بالقرب من مكان تواجد الملكة -  وسارع في إرسال رجالة لرؤية كليوباترا التي وجدونها قد ماتت في الحال.

ثعبان الكوبرا لم يقتل كليوباترا

لقد ماتت كليوباترا بالسم، هذه هي النظرية التي يؤكدها أستاذ التاريخ القديم بجامعة «ترير» الألمانية، الدكتور كريستوفر شايفر.

السم الذي يقصده «شايفر» هنا ليس سم الثعبان، ولكنه مشروب مركب من السموم تناولته كليوباترا، أو بمعنى أدق أُجبرت على تناوله.

فلو كانت كليوباترا تنوي الانتحار حقًا لاختارت وسيلة مختلفة غير ثعبان الكوبرا، فالمصريون القدماء كان يقدسون هذا الثعبان ويعرفون جيدًا أن لدغته لا تكون مميتة دائمًا.

وعندما يحدث ويموت أحد الأشخاص بسبب ثعبان الكوبرا، فالأمر لا يحدث بهذه السرعة، فالسم يحتاج بضعة ساعات حتى يصل إلى خلايا جسده التي تموت تدريجيا وبالبطيء، كما يكون الأمر مؤلمًا للغاية، كما يوضح المؤرخ الألماني في حديث لشبكة «CNN».

أما كليوباترا فقد ماتت موتًا سريعًا وهادئا وغير مؤلم، وفقا لرواية المؤرخ الروماني الشهير كاسيوس ديو، بعد 200 عام من مصرع كليوباترا.

لقد وجدت الملكة المصرية ميتة مع اثنتين من وصيفتيها، وهذا يجعل موتهما بسبب لدغة ثعبان من غير الوارد؛ كما يقول «شايفر»، فيستحيل على ثعبان واحد أن يلدغ 3 نساء مرة واحدة في هذا الوقت القصير ودون أدنى مقاومة أو انتباه منهن، والتي من شأنها أن تطيل المدة الزمنية الفاصلة بين وفاة كل امرأة منهن، وهو ما لم تذكره الرواية الرومانية.

  • الثعبان كبير على إخفاءه

الرواية التاريخية تقول إن كليوباترا خبّأت ثعبان الكوبرا في سلة صغيرة، وهو شيء مستحيل بالمرة، فهو ثعبان كبير الحجم قد يصل طوله إلى مترين ونصف، ويتسحيل إخفاؤه بهذه السهولة، كما تقول دراسة أعدتها جامعة مانشستر البريطانية.

وإذا افترضنا وجود ثعبان حقًا، فهناك احتمال 10% فقط أن تموت الملكة والخادمتين بالسم، فمعظم لدغات ثعبان الكوبرا هي لدغات جافة؛ وفقًا لجويس تيلدسلي، عالمة المصريات، وأندرو غراي، أمين قسم الزواحف بمتحف مانشستر والذين أشرفا على هذا البحث كما تذكر شبكة «بي بي سي» البريطانية.

بردية تثبت موت كليوباترا بالسم

لقد ماتت كليوباترا لأنها أرادت أن تموت، ولكنها لم تنتحر، كلمات تبدو مثل اللغز الكبير الذي يفسره «شايفر» بأنه عثر على إحدى البرديات التي تقول إن الملكة المصرية تذوقت بعض الرشفات من الكوب الذي قُدم إليها، وعلمت أنه يحتوي على السم، ثم اختارت أن تشربه حتى النهاية وقد فعلت الأمر نفسه مع وصيفتيها، وهذا يعطي الكثير من المعنى لموتها الهادئ والسريع هي والوصيفتين في نفس التوقيت، فالشيء الوحيد القادر على فعل ذلك هو خليط معين من السموم.

  • عالم سموم يثبت النظرية

لم يعتمد «شايفر» في أبحاثه على الوثائق التاريخية فقط، بل تعاون مع عالم السموم بجامعة فرانكفورت ديتريك ميب لتأكيد شكوكه حول انتحار كليوباترا بثعبان الكوبرا.

بحث عالم السموم الألماني في الروايات التاريخية التي تصف كيف ماتت كليوباترا، وقارنها بأنواع السموم المنتشرة في هذه المناطق وفي ذلك الوقت، وتأثيرها على الإنسان.

من المحتمل أن تكون كليوباترا قد ماتت بعد تناولها لخيط ممزوج بمجموعة سموم هي: نبات الشوكران، وخانق الذئب، والأفيون.

فجرعات معينة من الأفيون تسبب الموت الهادئ، وتدخل الإنسان في حالة مفاجئة من الغيبوبة المميتة، كما يقول «ديتريك» في دراسته.

وإذا أضفنا لكل هذا معلومة أن نبات «الشوكران» السام له رائحة مميزة وكريهة، فربما يكون هذا هو السبب الذي جعل الملكة المصرية تعرف أن الشراب المقدم إليها مسمومًا، وتفضل تناوله على أن تتعرض للإهانة على أيدي الإمبراطور أكتافيوس ورجاله. كما أن «خانق الذئب» من النباتات السامة المعروفة التي كانت تستخدم على أسنة الرماح في الأزمنة القديمة ولدى الشعوب الشرقية.

ومن المحتمل أيضا أن تكون كليوباترا قد طعنت بآلة حادة رفيعة ومسمومة، وترتكت على جسدها آثارا تشبه لدغة الثعبان، ولكن لم يتم إثبات هذه الفرضية حتى الآن.

الهدف من قتل كليوباترا

تقول هذه النظرية إن الهدف الحقيقي من قتل كليوباترا كان رغبة من أكتافيوس في السيطرة الكاملة على مصر، خصوصا بعد تحالف الملكة المصرية مع عدوه اللدود أنطونيوس الذي كان يقتسم معه حكم الإمبراطورية الرومانية بصفته الوصي على العرش، بعد مقتل يوليوس قيصر والد أكتافيوس بالتبني.

لكن كليوباترا لم تمت وحدها، فقبل أيام من دخول أكتافيوس للأسكندرية، أرسلت ابنها بطليموس الخامس عشر إلى الحبشة لحمايته، وقد عثر عليه مقتولا بعد ذلك.

كليوباترا وأكتافيوس بريشة «لويس جوفير»


ومن المحتمل أن يكون جنود أكتافيوس هم من قتلوا بطليموس الخامس عشر، خصوصا أنه كان ابنا لكليوباترا من إمبراطور روما السابق يوليوس قيصر، والذي يخاف أكتافيوس أن يطالبه بالحكم يومًا ما، كما يذكر موقع «History».

لقد كان هذا الثلاثي المكون من أنطونيوس الذي يقال أنه مات منتحرًا بعد هزيمته في معركة أكتيوم البحرية، وحليفته كليوباترا وابنها من إمبراطور روما السابق، يشكلون خطرا حقيقيًا بالنسبة لأكتافيوس، وهذا ما دفعه للتخلص منهم جميعا كما يؤمن أصحاب هذه النظرية الجديدة.



3
1
0
0
1
0
1