«أراد له والده أن يكون شيخاً فأرسله للأزهر في مصر فاختار هو لنفسه الفن، وبدلاً من أن يجلس في صحن الجامع الأزهر وأروقته يستمع لشيوخه وعلمائه طرق أبواب المسارح والاستديوهات، وكان يتعذب وهو بعيد عن أنوار الشهرة، وعندما اقترب منها تحولت إلى نار أججت في جوانحه هوس الفن».

بهذه الفقرة تختزل أمل عريان فؤاد في كتابها «الضاحكون الباكون» رحلة الفنان الراحل عبدالسلام النابلسي في الحياة، التي أنهاها بعدما تعرض للطماتها القاسية.

البداية من لبنان

ولد في 23 أغسطس عام 1899 في إحدى قرى منطقة عكار بالقرب من مدينة طرابلس في شمال لبنان لأب يعمل قاضياً لمدينة نابلس بفلسطين بعد أن استقر بها هو وعائلته نازحاً من عكار.

مع منتصف العشرينات قرر والد عبدالسلام النابلسي إرسال ابنه إلى القاهرة لإتمام دراسته بالأزهر الشريف، إلا أن الابن تنازعت رغباته الداخلية بين حبه وولعه الشديد بالآداب والفنون، والدراسة الدينية التي أرسله والده من أجلها. وفي النهاية غلبت عليه رغبته الأولى.

اجتذبته أضواء مسارح عماد الدين التي زرعت بداخله الرغبة في الاحتراف بالعمل الفني، ما جلعه ينفق كل ما يرسله له والده للدراسة على متابعة الحركة المسرحية على مسارح يوسف وهبي، وجورج أبيض، وفرقة رمسيس، أملاً في الانضمام لإحداها في يوم من الأيام.

مشوار الفن

نجحت محاولات النابلسي في الانضمام لفرقة رمسيس إلا أن يوسف وهبي سرعان ما فصله لأنه لم يكن يحفظ أدواره، فانتقل إلى فرقة جورج أبيض، حتى اتيحت له فرصة المشاركة بدور ثانوي في فيلم «غادة الصحراء» عام 1929، وبعد ذلك توالت أعماله السينمائية وعمل مخرجاً لبعض الأفلام.

نمى إلى مسامع الأب ما وصل إليه حال ابنه فحجب النفقات التي كان يرسلها إليه، ما دفع «النابلسي» للبحث عن عمل يوفر له نفقات يومه، فعمل بالصحافة. ساعده على ذلك ملكاته الأدبية واتقانه للغة العربية وحبه للشعر، فتنقل بين جريدة مصر الجديدة، واللطائف المصورة، والأهرام، وآخر ساعة، وعمل مترجماً في دار الهلال.

نجحت محاولاته في الانضمام لفرقة رمسيس إلا أن يوسف وهبي سرعان ما فصله لأنه لم يكن يحفظ أدواره، فانتقل إلى فرقة جورج أبيض، حتى اتيحت له فرصة المشاركة بدور ثانوي في فيلم «غادة الصحراء» عام 1929، وبعد ذلك توالت أعماله السينمائية وعمل مخرجاً لبعض الأفلام.

عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية اجتاح تيار الكوميديا المسرح والسينما للتغلب على الآثار النفسية والاقتصادية السيئة التي خلّفتها الحرب، ما ساعد في إعلاء قيمة نجوم الكوميديا في ذلك الحين وعلى رأسهم «النابلسي» الذي ترك الإخراج بعدما تخاطفته الكاميرات.

أصبح قاسماً مشتركاً في معظم الأفلام. رغم أنه ظل بعيداً عن أدوار البطولة ولم يمنحه أحد دور الفتى الأول، إلا أنه كان رمانة الميزان التي لا تستوي الأدوار بدونه، ولا ينجُ البطل إلا إذا وقف على أكتاف هذا الشاب النحيل، فبقي «النابلسي» قاعدة الانطلاق لكبارالفنانين فمثّل معه المشاهير أمثال عبدالحليم حافظ، وفريد الأطرش، وإسماعيل ياسين، ومحمد فوزي، وغيرهم.

الرحيل من مصر

مع بداية الستينات كانت بداية النهاية للفنان عبدالسلام النابلسي خاصة بعد أن بلغ الخلاف مداه بينه وبين مصلحة الضرائب التي قدرت عليه مبلغ 13 ألف جنيه كضرائب مستحقة على نشاطه الفني.

ورغم محاولاته المميتة للتوصل إلى حل مع مصلحة الضرائب إلا أن محاولاته لم تسفر إلا عن تخفيض 4000 جنيه فقط من جملة المبلغ، وهو ما لم يعتبره «النابلسي» حلاً، فآثر أن يرحل في عام 1962 إلى لبنان مسقط رأسه وأخذ يسدد للضرائب مبلغ 20 جنيهاً بحوالة شهرية، الأمر الذي اعتبرته مصلحة الضرائب دليلاً على عدم جديته في تصفية الخلاف فيما بينهما، فقررت الحجز على محتويات شقته المستأجرة بالزمالك بعد مرور سنوات من رحيله إلى لبنان.

لم تستوف محتويات الشقة مبلغ الدين الخاص، كما لم تفلح المحاولات التي قام بها رموز الفن آنذاك وعلى رأسهم أم كلثوم لتصفية القضية مع مصلحة الضرائب، ما دفعه للاستقرار في لبنان وعمله كمدير لشركة الفنون المتحدة للأفلام.

صورة تجمع عبدالسلام النابلسي بعبدالحليم حافظ

نهاية مؤلمة

كان «النابلسي» أشهر عازب في الوسط الفني حتى سن الستين من عمره، ولم تلعب المرأة إلا أدواراً ثانوية في حياته، فلم يخفق قلبه بالحب إلا ثلاث مرات. الأولى كانت في عام 1935 حينما كان يعمل مساعد مخرج وكانت شهرته في الإخراج أكثر منه كممثل، وحين تقدم لخطبة الفتاة قوبل طلبه بالرفض لعمله بالسينما.

المرة الثانية كانت عام 1959، ولكن طلبه قوبل بالرفض من قبل الفتاة نفسها، ليظل «النابلسي» أعزباً حتى سفره واستقراره في لبنان. هناك تعرف على فتاة من معجباته تدعى «جورجيت سبات» تبلغ من العمر 23 عاماً، وكانت تتابعه في كل تحركاته وترسل له رسائل الإعجاب وتوقعها باسم «دنيا» وتطلب منه صوراً فوتوغرافية وعليها توقيعه.

تطور الإعجاب إلى حب شديد أدى إلى الزواج لينتصر «النابلسي» على الكثير من العقبات وعلى رأسها فارق السن، وكذلك معارضة أهل الفتاة والذي دخل في صراع معهم حتى تقبلوا زواجه منها.

النابلسي مع زوجته

لم تستمر سعادة «النابلسي» كثيراً فقد كان يخبئ له القدر لطمة أقوى من احتماله. أعلن بنك «انترا بيروت» إفلاسه، وهو البنك الذي وضع فيه كل أمواله كأسهم وليس كوديعة ما يعني ضياع كل أمواله.

عجلّت تلك اللطمة بنهايته فزادت شكواه من آلام المعدة، وزادت حالته سوءاً حتى لفظ أنفاسه الأخيرة في 5 يوليو 1968. ولم تجد زوجته ما تنفق به على مصاريف الجنازة، فتولى صديق عمره الفنان فريد الأطرش كافة النفقات، وظل معتنياً بزوجة «النابلسي» والإنفاق عليها إجلالاً لصديقه.

ولم يعرف الكثيرون سر مرض «النابلسي» والذي كشفت عنه فيما بعد الفنانة «زمردة» صديقة «النابلسي» الذي استحلفها أن تحفظ سره وهو إصابته بمرض القلب منذ 10 سنوات قبل وفاته حتى لا يؤثر ذلك على طلب المنتجين والمخرجين له للعمل.



المصدر

كتاب «الضاحكون الباكون».أمل عريان فؤاد.

1
1
0
0
0
3
2