الرقص عند المصريين ثقافة شعبية تعود بجذورها لأيام الفراعنة، الذين مارسوا الرقص رجالا ونساء كوسيلة تعبيرية ولأغراض متنوعة، منها الديني والحربي والرياضي وللتأمل؛ قبل أن يرتبط الرقص حديثا بالإغراءات الجسدية.

أنواع الرقص عند المصريين القدماء

  • الرقص الديني والحياة الأبدية

على أنغام الموسيقى تتمايل الفتيات في المعابد المصرية القديمة، لاسترضاء الآلهة لتجلب المطر والخصب للبلاد وتعود الحياة من جديد.

كانت المرأة هي رمز الخصوبة والإنجاب؛ وقد ربط الفراعنة بين المرأة وإيمانهم بالحياة الأبدية؛ كما تتجدد الحياة في النبات بعد موته.

«الغناء والرقص والبخور هي وجبات الإله، وتقبل العبادة هي من حقوقه.. اعمل على أن يُبارك اسم الإله».. كانت هذه هي مقولة الحكيم المصري القديم«آني».

ولهذا ظهر نوع الرقص الذي نطلق عليه الآن «الرقص الشرقي».. فتحريك الخصر –الذي يحمل الجنين بداخله-  هو جزء من رمزية الخصوبة والحياة الأبدية.

تعبد المصريون بالرقص للإلهة حتحور أو الأم السماوية، وهي واحدة من أهم الآلهة الفرعونية على الإطلاق، ويعني اسمها «بيت حورس» فهي التي احتضنت الإله حورس وهو طفل صغير بعد مقتل والده أوزوريس، حتى استطاع أن ينتصر على إله الشر «ست» الذي قتل والده؛ فصارت بذلك الأم السماوية رمز الحب والعطاء والخصوبة، وأيضًا إلهة الموسيقى والرقص والحب البهجة.

  • الرقص الحربي والتحطيب

في قلب الصعيد، وعلى أنغام الربابة يتجمع الأهالي في حلقة دائرية كبيرة حول اثنين من الرجال يرتدي كل منهما الزي التقليدي؛ الجلباب الفضفاض وعمامة الرأس.. يمسكان بعصا طويلة، ويتبادلان مزيج من الحركات الراقصة والقتالية.

يحكم اللاعب إمساك عصا تبلغ 160 سنتيمترا بباطن يديه، لتكون طويلة بما يكفي لتوجيه ضربات للخصم.. إنها رقصة التحطيب.

في بدايتها كان التحطيب نوع من الفنون القتالية عند الفراعنة، تستخدم فيها العصا الغليطة لإحداث ضربات موجعة وقاتلة عند الخصم؛ وفقًا لموقع «حراس الحضارة» المتخصص في التاريخ الفرعوني.

وبمرور السنوات تحول التحطيب لوسيلة تهدف إلى تسلية الجنود وإشعال الحماس بينهم لتخويف الخصوم قبل الحرب، ثم أصبحت نوعًا من الرقصات التراثية المسلية لتفريغ الطاقة في جو من الحماسة.


وتحولت العصا الغليظة، لعصا مناسبة تصنع من ورق البردي حتى لا تتسبب في أي أذى للراقصين؛ وأحيانا تؤدى الرقصات بشكل فردي.

  • الرقص التمثيلي والمسرح الفرعوني

هناك رأي آخر يرجع رقصة التحطيب لمعنى أعمق من القتال والفروسية، فهي هي تجسيد للصراع بين الإله «أوزوريس» وأخيه «ست» الذي كان صلب العقيدة المصرية منذ الدولة القديمة.

ففي معبد أوزوريس بالأقصر، مثل المصريون القدماء واحدة من أهم العروض الراقصة وهي أسطورة إيزيس وأوزوريس التي تجسد الصراع بين الخير والشر، فعبادة إيزيس وأوزويس وحورس كانت صلب العقيدة المصرية القديمة، كما تقول دراسة صادرة عن المركز المصري لدراسات وحقوق المرأة بالصعيد.

وعندما زار «هيرودوت» مصر في القرن الخامس قبل الميلاد، شاهد عرضًا تمثيليًا لأسطورة إيزيس وأوزوريس الشهيرة التي تمثل الصراع بين الخير والشر.

وسبقت مصر اليونان نفسها في العروض المسرحية التي وُظف فيها الرقص، لإعادة تمثيل الطقوس الدينية والأحداث التاريخية الهامة.

  • الرقص في الجنائز

لم يتوقف المصري القديم عن ممارسة الرقص حتى في الجنائز، تعبيرا عن حزنه على المتوفي، إلى جانب الرقص الديني المصاحب لطقوس الجنازة.

وعلى الإيقاع السريع مارس الحركات التعبيرية التي تدخل البهجة على روح المتوفى في رحلته للعالم الآخر وتطرد عنه الأرواح الشريرة.

  • الرقص الأكروباتي

تدريب شاق وطويل  كان على المصري القديم أن يؤديه حتى يتقن نوع محدد اسمع الرقص الأكروباتي.

مرونة كبيرة في الجسد، يحتاجها الراقص ليستطيع تأدية حركات خاصة جدًا؛ مثل تقويس الجسد بالكامل، أو الانحناء حتى يلامس الذراعين الساقية أو القفزات السريعة والحركات البهلوانية على أنغام الموسيقى ودقات الطبول.


الرقص الأكروباتي يهدف إلى شيء محدد عند المصري القديم، وهو تحقيق التوازن النفسي وطرد الطاقة السلبية والمساعدة في تصفية الذهن والتأمل.

مدارس لتعليم الرقص

في المعابد أقام المصريون مدارسًا لتعليم فنون الرقص، الكثير من الجداريات والشواهد في مدينة الكرنك بالأقصر وإدفو بأسوان وأبيدوس بسوهاج تقول ذلك.

ومن هذه الجداريات نتعرف على أنواع أخرى للرقص مثل الرقص الخاص بالتسلية على أنغام الموسيقى، والرقص الجماعي، والرقص الزوجي، والرقص الذي يستخدم لأغراض السحر وطرد الأرواح الشريرة بمحاكاة حركة الحيوانات التي يعتقد بامتلاكها قوة خارقة.

الرقص الجماعي عند الفراعنة


الغوازي والرقص والحملة الفرنسية

مرت آلاف السنين، تغيرت فيها الثقافة والعادات والتقاليد، وتغير الرقص من وسيلة تعبيرية أو طقس ديني خاص بالخصوبة، لحركات «إغراء».. تؤديها «نساء دون تأهيل أو احترام للعرف» كما جاء في كتاب «وصف مصر» للحملة الفرنسية.

فحين دخلت الحملة الفرنسية مصر، تقربت مجموعات الغوازي لجنود الحملة، بتقديم الرقص والمتعة الجسدية معًا.

لكن الواضح أن «رقص المتعة» بدأ قبل الحملة الفرنسية بكثير حين توافد قبائل الغجر إلى مصر في منتصف القرن السادس عشر الميلادي، وقد اختاروا عيش حياة بدائية في قبائل منعزلة بعيدا عن أي أعراف أو تقاليد، فمن عاداتهم مثلا أن يتزوج الرجل بأكثر من امرأة لتنفق عليه.


قدمت «غوازي الغجر» رقصا يهدف إلى إمتاع المشاهدين، بحركات اهتزازية سريعة ومبتذلة، وثياب ضيقة تكشف نحورهن وسواعدهن؛ وتصاحبهن أغنيات قبيحة وأحيانا يصحبهن المشعوذين والقرداتية؛ كما تذكر ريم أبو عيد في كتابها «على اسم مصر».



0
0
0
0
0
0
0