كان الشعر هو الوسيلة الإعلامية التي يروج بها الحاكم أو الخليفة لنفسه قديما، وكان الأمر سلاحًا ذو حدين، فقد تسابق الأمراء في إغداق الأموال على الشعراء، فازدهر الشعر والحركة الثقافية من جهة، ومن الجهة الأخرى امتلئ الشعر العربي بقصائد المدح، التي لم تكن بالضرورة نابعة من صدق المشاعر أو إعجاب حقيقي ببطولة هذا الأمير أو ذاك، ولكن كثير من الشعراء تملقوا الخلفاء أو انقلبوا عليهم في سبيل المال وحسب؛ ولم يسلم من ذلك أكبر شعراء الأدب العربي.

  • الأعشى يترك الإسلام بمائة إبل

لم يكن الأعشى «ميمون بن قيس» شاعرا عاديا وهو واحد من أفضل الشعراء المخضرمين الذين عاصروا الجاهلية وصدر الإسلام، وكاد يصبح من صحابة النبي محمد.

في فترة الجاهلية كان الأعشى يؤمن أن الحياة عبارة عن ملذات يجب أن يتمتع بها، وحتى يحقق هذا الغرض أخذ يطوف على جميع ملوك العرب والعجم يمدحهم ويجمع الأموال الكثيرة، لينفقها على ملذاته.

ولم يجد الأعشى عيبا في هذا الأمر، بل يعترف به في إحدى قصائده فيقول:

وقد طفت للمال آفاقه.. عمان فحمص فأروى شلم

أتيت النجاشي في أرضه.. وأرض النبيط وأرض العجم

وعندما دخل الإسلام، وتحديدا بعد الهجرة ليثرب، عقد الأعشى العزم على مصاحبة النبي محمد، وقال قصيدة يمدحه فيها وهي:

أجدك لم تسمع وصاة محمد.. نبي الإله حيث أوصى وأشهدا

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى.. ولاقيت بعد الموت من قد تزودا

ندمت على أن لا تكون كمثله.. فترصد للموت الذي كان أرصدا

وعندما علم أبو سفيان بن حرب بنية الأعشى قال «يا معشر قريش، هذا الأعشى والله لإن أتى محمدا وأتباعه ليضرمن عليكم نيران العرب بشعره». فجمعوا له مائة من الإبل وأغروه بها حتى لا يهاجر للنبي محمد، وقد كان؛ كما جاء في كتاب «أشعار الشعراء الست الجاهليين» للأعلى الشنتمري.

  • الفرزدق الشاعر المتلون


 

الفرزدق هو أحد شعراء الدولة الأموية، رغم أنه قبل ذلك كان من أشد معارضيها، فكيف استمالته؟

الشاعر الشهير همام بن غالب الملقب بالفرزدق، كان أحد شعراء آل البيت ومناصرا لزين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ألد أعداء الدولة الأموية.

حتى كان اليوم الذي دخل فيه هشام بن عبد الملك إلى الحرم - وكان أخو الخليفة الوليد بن عبد الملك - ورأى «هشام» الناس مجتمعين حول زين العابدين، فلم يعرفه، فقال الفرزدق قصيدة يمدح فيها زين العابدين ويسخر فيها من الأمير الأموي، فقال:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته..  ويعرفه البيت والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم .. هذا التقي النقي الطاهر العلم

هذا ابن فاطمة، إن كنت جاهله.. بجده أنبياء الله قد ختموا

أمر هشام بن عبد الملك بسجن الفرزدق، الذي استمر يهجو الخلفاء وهو في السجن؛ وفقا لموسوعة «معجم أنصار الحسين».

وبعد الخروج من السجن؛ استطاعت الدولة الأموية أن تستميل الفرزدق بأموالها؛ ومنذ ذلك الوقت تحول إلى واحد من شعراء الدولة، فنجدة يقول للخليفة الوليد بن عبد الملك:

أما الوليد فإن الله أورثه.. بعلمه مُلكا ثابت الدِّعم

خلافة لم تكن غصبا مشورتها.. أرسى قواعدها الرحمن ذو النعم

  • المتنبي يمدح الملوك ثم يهجوهم

كان أكبر شعراء العصر العباسي، وكان قد حدد هدفه منذ البداية كذلك، رغم أنه لم ينجح في تحقيقه طيلة حياته. فأبو الطيب أحمد بن الحسين الكندي الكوفي – الذي لُقب فيما بعد بالمتنبي-  هو الشاعر الذي يمتلئ بالحكمة والفارس الشجاع الذي يخوض الحروب ويبحث عن منصب سياسي.

 أكثر الأمراء الذين ارتبط بهم المتنبي وجمعت بينهم صداقة جيدة، هو سيف الدولة الحمداني أمير حلب، وفيه يقول:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم.. وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها.. وتصغر في عن العظيم العظائم

يُكلف سيف الدولة الجيش همه.. وقد عجرت عنه الجيوش الغضارم

وبعدما نجح الوشاة في الوقيعة بينهما، طاف على أكثر من أمير عربي، أشهرهم هو كافور الإخشيدي والي مصر.

وإذا كان المتنبي يمدح سيف الدولة بدافع الإعجاب بشخصه وبعبارات فيها كبرياء واعتزاز بالنفس، لكن أسلوبه مع كافور فيه تذلل وطلب صريح لمنصب، فيقول:

أبا المسك هل في الكأس فضل أناله.. فإني أغني منذ حين وتشرب

إذا لم تنط بي ضيعه أو ولاية.. فجودك يكسوني وشغلك يسلب

وحينما لم يفِ الإخشيدي بوعده، قال المتنبي فيه قصائد هجاء بأقذع الألفاظ:

العبد ليس لحر صالح بأخ.. لو أنه في ثياب الحر مولود

لا تشرِ العبد إلا والعصى معه.. إن العبيد لأنجاس مناكيد

أولى اللئام كويفير بمعذرة.. في كل لؤم وبعض العذر تفنيد

  •  أبو فراس الحمداني.. الأمير المادح


لم يكن شاعرًا عاديًا ليستخدم قصائده لجلب المالي، فهو الأمير أبو فراس ابن عم سيف الدولة الحمداني.

تربى أبو فراس في بلاط سيف الدولة، بعد أن توفي أبوه وهو طفل صغير، ولأن أمير حلب كان محبًا للشعر، فقد نشأ أبو فراس متأثرا بالجو الثقافي في قصره، ليكون شاعرا وفارسا يحقق النصر تلو الآخر في الحروب.

وأبو فراس هو صاحب القصيدة الشهيرة «أراك عصي الدمع» التي غنتها أم كلثوم

وفي بلاط سيف الدولة نشأ بين أبو فراس والمتنبي غيرة شديدة، فالمتنبي هو الشاعر المقرب عنه، وأبو فراس يرفض أن يلصق بنفسه صفة الشعراء المتكسبين والمنتفعين، وحتى إن مدح ابن عمه في الشعر، فهو يخاطبه ندًا لند.

حتى جاء اليوم الذي وقع فيه الفارس في أسر الدولة البيزنطية، فوضع في السجن لمدة أربعة سنوات لم يفعل فيها سيف الدولة شيئا لافتداء ابن عمه، حتى قال النقاد أنه كان يخاف من انقلاب أبي فراس عليه.

وفي الحبس قال أبو فراس أروع قصائده، منها أشعار يمدح فيها سيف الدولة ويستعطفه ليفعل شيئا من أجله:

فمادام سيف الدولة القرم باقيا.. فظلك فياح الجناب ظليل

عساه وقد أحسنت ظني بفضله.. يجود بتخليصي لكم وينيل

فإما حياة في فناه عزيزة.. وإما ممات في ذراه جميل




1
0
0
0
0
0
0