لم يكن عميد الأدب العربي طه حسين متجهماً كما يعرف كثيرون عنه، وإنما كان يمتلك روح الفكاهة التي ظهرت على مناقشاته وأحاديثه مع أساتذته من شيوخ الأزهر، ما أوقع به في كثير من المشكلات التي أدت إلى رسوبه في أحد الامتحانات وترك التعليم الديني كله.

ووفق ما ذكر الكاتب الصحفي الراحل رجاء النقاش في كتاب «عباقرة ومجانين» كان طه حسين يتسم بصفة لا يمكن تسميتها إلا باسم «الشقاوة»، وهذه الصفة قد لازمته في النصف الأول من حياته التي امتدت لـ84 عاما، حيث حاول في سنواته الأخيرة أن يخفيها أو يخفف منها إلى حد كبير.

تعلّم طه حسين في المرحلة الأولى من حياته في الأزهر، وكان ساخطاً على معظم أساتذته في الأزهر. كان كثيراً ما يعاكسهم، أو يهاجمهم في مقالاته التي كان ينشرها في أوائل القرن الماضي في الصحف والمجالات، حتى اضطر الأزهر إلى التفكير في فصله نهائياً من الدراسة.

كانت هذه «الشقاوة» تدفعه إلى أن يصدم الناس بآرائه صدمات عنيفة، لأنه في قرارة نفسه يرى بأن المجتمع المصري والعربي كله هو مجتمع راكد «نائم على روحه»، وأن هذا المجتمع يحتاج إلى من يهزه ويوقظه ولو كان ذلك بأساليب عنيفة من التحدي والاستفزاز و«الشقاوة».

خاسر وخنزير

تعلّم طه حسين في المرحلة الأولى من حياته في الأزهر، وكان ساخطاً على معظم أساتذته في الأزهر. كان كثيراً ما يعاكسهم، أو يهاجمهم في مقالاته التي كان ينشرها في أوائل القرن الماضي في الصحف والمجالات، حتى لقد اضطر الأزهر إلى التفكير في فصله نهائياً من الدراسة، لولا تدخل لطفي السيد وغيره من الأساتذة الذين كانوا يعطفون على طه حسين ويعملون على مساعدته.

وصراع طه حسين مع الأزهر وشيوخه سجله بنفسه في الجزءين الثاني والثالث من كتابه «الأيام» تسجيلا صريحا واضحا.

«تحدث الطلاب كبارا وصغارا عن جهل شيوخهم وتورطهم في ألوان الخطأ المضحك الذي كان بعضه يتصل بالفهم وبعضه يتصل بالقراءة، فقد كان أكثر من أن يحصى وأعظم من أن يُقدر. ومن أجل هذا كان صاحبنا (أي طه حسين نفسه) سيء الرأي في العلماء والطلاب جميعاً».

يحكي طه حسين أنه ناقش أحد أساتذته بعنف شديد مما جعل الأستاذ ينهي الدرس ويقول لتلاميذه: «انصرفوا فلن أستطيع أن أقرأ وفيكم هذا الوقح»
 

   ويحكي أيضاً أنه ناقش أحد أساتذته بعنف شديد مما جعل الأستاذ ينهي الدرس ويقول لتلاميذه: «انصرفوا فلن أستطيع أن أقرأ وفيكم هذا الوقح» في إشارة إلى طه حسين.

ويروي مرة أخرى أن أحد أساتذته كان ينهره بقوله «اسكت يا خاسر.. اسكت يا خنزير»، ومرة أخرى قال أستاذه – وقد طالت المناقشة بينه وبين تلميذه طه حسين- «والله لا نقوم حتى يقتنع هذا المجنون». وطرده شيخ أزهري آخر من بيته قائلاً له: «اسكت يا أعمى».

وقال أحد شيوخه في الأزهر يوماً بعد أن عانى من مشاغبته في الدروس:« ما شاء الله، ما شاء الله، فتح الله عليك وأشقاك بتلاميذك، كما يشقي بك أساتذتك».

امتحان العالمية

وقد أدى هذا الصراع الدائم بين طه حسين وبين أساتذته في الأزهر إلى سقوطه في امتحان «العالمية»، وقراره بأن ينصرف تماماً عن التعليم الأزهري.

يقول طه حسين عن نفسه في تلك الفترة كاتباً وإنساناً: «إن طول اللسان هو الذي قطع الصلة قطعا حاسما بين صاحبنا (أي طه حسين) وبين الأزهر، ودفعه دفعاً إلى حياته التي أتيحت له، وعرضته لسخط أي سخط، وحزن أي حزن، وعناء أي عناء، والغريب أنه تلقى السخط والحزن والعناء باسما، موفور الرضا، طيب النفس، فلم تتعلق نفسه قط بالجلوس إلى عمود من أعمدة الأزهر، ولا بإلقاء الدرس في حلقة من حلقاته».

 انتقل عميد الأدب العربي بعد انقطاعه عن الأزهر إلى الدراسة في الجامعة المصرية وكان من أوائل طلابها. دخلها وفي نفسه «عقدته» الكبيرة من الأزهر ومن شيوخ الأزهر الذين ذاقوا مرارة «شقاوته».




المصدر

*كتاب «الأيام». طه حسين     * كتاب «عباقرة ومجانين».رجاء النقاش.

0
1
2
0
0
1
0