كيف عاش أدباء ومفكرو مصر شهر رمضان؟ وكيف ترك هذا الشهر الكريم آثاره في تكوينهم الفكري والإنساني؟ تساؤلان أجاب عنهما الأدباء أنفسهم في سيرهم الذاتية التي دونوها وتضمنت ذكرياتهم في شهر الصوم. «شابيك» يستعرض ملخصها.

طه حسين

في كتابه «ألوان» يروي عميد الأدب العربي طه حسين ذكرياته مع الشهر الكريم عندما كان طالباً في الأزهر الشريف، وكان الطلاب والأساتذة يحصلون على «المسامحة» أي «الإجازة» فيقول: «وكنا نفهم من هذه الكلمة أنَّ النظام الأزهري أو المدرسي يُسامح المعلمين والمُتعلمين، ويأذن لهم في أن يستريحوا من جهد الدرس ومَشقة الطلب وخُشونة الحياة، وفي أن يعودوا إلى أهلهم في المدن والقرى، ليجدوا عندهم أيامًا فارغة، تستريح فيها العقول، وتنمو فيها الأجسام، وتستمتع فيها النفوس بشيء من الرَّوح والهدوء».

وفي إحدى المرات اقترح أصدقاء «العميد» بعد أن تقدم بهم العمر أن يذهبوا لحي لأزهر الشريف لاسترجاع ذكريات شهر رمضان عندما كانوا طلابًا.

ويسرد طه حسين الواقعة في كتابه «أحاديث» قائلاً: «قال أصحابي وكلهم مثلي من أبناء الأزهر الذين بعُد عهدهم به وطال فراقهم له: وما يمنعنا أن نختم رمضان بزيارة قصيرة للأزهر نحيي بها العهد القديم ونذكر بها أيام الشباب؟ قلت: وإني في ذلك لراغب، وإني إلى ذلك لمشوق».

ويستطرد «ومضينا إلى الأزهر ونحن نقدر أن سنجد فيه تلك الصورة التي ألفناها، وسنسمع فيه ذلك الدويّ الذي عرفناه، وأن سنختلط به اختلاطًا، ونمتزج به امتزاجاً، ونقف فيه كما كنا نفعل أيام الشباب وقفات فيها الجد الخصب، وفيها هزل يشوبه الحب والعطف، نتنقَّل بين هذه الحلقات المنبثة في أرجائه نسمع لهذا الشيخ وهو يقرأ الحديث أو التفسير أو يقص قصص الوُعَّاظ فيعجبنا صوته وإلقاؤه وفهمه وإفهامه فنعجب به ونبسم له، ونتجاوزه إلى ذلك الشيخ فيضحكنا صوته أو إلقاؤه أو لازمة من لوازمه أو بعض ما يدفع إليه من الخطأ في الفهم أو السخف في الإفهام فننصرف عنه ضاحكين متفكهين، حتى إذا قضينا من هذا كله أربًا خرجنا وقد ذكرنا أنفسنا وسعدنا بلقاء تلك الأيام العِذاب».

طه حسين

نجيب محفوظ

وكان لشهر رمضان نصيب في مذكرات نجيب محفوظ التي دوّنها الناقد الفني الراحل رجاء النقاش في كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ».

تحدث أديب نوبل عن ذكرياته أثناء إقامته في الجمالية وقبل انتقاله إلى العباسية، قائلاً: «أنا لا أنسى أبداً مظاهر الاحتفال بشهر رمضان وأيام العيد في بيت القاضي (منطقة في الجمالية)، كنت أشعربالتجلي في أقصى درجاته، ولا يزال هذا التجلى موجوداً في الحارات الشعبية القديمة وإن لم يكن بنفس المستوى، وإذا قلنا إن الاحتفال بشهر رمضان تراجع درجتين مثلاً، فإن هاتين الدرجتين تظهران في منطقة مثل الزمالك مثلاً وكأنهما عشرون درجة، أما في حي الحسين فإن الاحتفال بالشهر الكريم لم يختلف كثيراً عن الأيام الخوالي».

ويضيف «في نهار رمضان كنت تجد كل شيء هادئاً، المقاهي والمحلات مغلقة احتراماً للصائمين، ثم يختلف الأمر في الليل: السهر حتى الفجر، والأطفال في الشارع بالفوانيس، والإضاءة في كل مكان، وكأن هناك مهرجاناً لا ينقطع طوال الليل، أما في العيد فكانت فرحة الناس – وخصوصاً الأطفال – لا تُقدر، لأننا كنا ننتظره من العام للعام».

نجيب محفوظ

يحيى حقي

ولم يفت الروائي يحيى حقي وهو يتحدث عن ذكرياته مع شهر الصوم في كتابه «من فيض الكريم» أن يقدم وصفاً رائعاً لليلة الرؤية، فيقول: «من الكنوز المغلقة عليها خزانتي، هيهات للأيام أن تبددها، هذا الشعور الذى كان يغمر قلبى وأنا صبى حين تقدم علينا ليلة الرؤية مقدم حورية من الجنة فى زى عروس يوم زفافها، تلعلط بالحلى والزواق وتزيد عليها بأن النور رغم بهمة الليل يفج حولها وبين قدميها.. شعور لذيذ لأنه عجيب يختلط فيه الفرح بالخشوع ونغمة الاعتراف بالعجز.. كنا نعلم طوال العام أن أقدامنا تسعى إليها ونعرف من سابق كل ملامحها لكنها حين تقابلنا وجهاً لوجه نجد سحرها جديداً كأنما نراه لأول مرة».

ويضيف: «نصبح فى يوم ليس فيه للناس إلا سؤال واحد يشغلهم عن كل هم آخر.. أفطور من غد أم صيام، الانتباه مركز على المحكمة الشرعية فى سراى رياض باشا فى شارع نور الظلام، حيث يجلس قاضى الإسلام وعلى باب المحكمة خلق غفير ستعلم نبأه بعد حين».

ولا بد أن يتقدم للقاضى فى تلك الليلة اثنان من المسلمين، يزكيهما سراً وعلناً ليشهد كل منهما أنه رأى هلال رمضان بعينه، وهو بذلك شهيد على نفسه، شهيد على المجتمع الإسلامى كله الذى ينطق هو بفمه، ويتكفل عنه بأداء واجب هو عند الشريعة فرض كفاية. ويوقع القاضى على المحضر وتدار أكواب الشربات على الحاضرين وهم يتبادلون التهنئة، ثم يعلن النبأ، فيصيح الصبية على باب المحكمة «صيام صيام بذا حكم قاضى الإسلام»، ثم يبدأ موكب الرؤية.

وبمشاعر طفل بريء وصف «حقي» مشهد موكب الرؤية التى، فيقولنحن الصبية وقوف فى شوارعنا نترقب بلهفة منذ ساعات مروره، ونلوم القاضى فى قلوبنا لوماً شديداً إذا أجل الرؤية إلى غد مع أن الغد قريب، ولكننا لا نحب أن نعود إلى بيوتنا وقفانا «يقمر عيش».

فى مقدمة الموكب كما يقول «موسيقى السوارى يبهرنا ضارب الطبلة المغلفة بجلد النمر فوق حصانه دون أن يمسك بلجامه، ثم تأتى شلة من المشاة فتدمع عيوننا ونحن نحس لرؤيتهم بالعزة والمنعة، ثم.. ثم.. يا للفرحة! موكب أرباب المهن الشعبية، المعلم وحده يمشى مشية البطل وراءه صفوف من تلاميذه وأولاده».

يحيى حقي

ولا ينسى الروائي الراحل أن يصف القاهرة في ليلة الرؤية، قائلاً: «ولا نذهب إلى بيوتنا إلا بعد أن نسمع المدفع المؤذن بثبوت الرؤية، وإلا بعد أن نرى المآذن كلها قد أضيئت.. ما أجمل القاهرة  فى تلك الليلة، المآذن زينة وفرح وابتهال يشرف عليها من مسجد القلعة مئذنتان نحيفتان متوجتان بالنور. ويطلب كل صبى من أهله أن يشتروا له فانوساً ملوناً يسرح ويمرح به فى الشوارع بعد الغروب وهو ينشد أغنية «وحوى يا وحوي.. إيوحا».



المصدر

*كتاب «ألوان».طه حسين.    *كتاب «أحاديث».طه حسين.     *كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ». رجاء النقاش.     *كتاب «من فيض الكريم». يحيى حقي.

0
1
0
0
0
0
0